شهدت أروقة العاصمة الهندية، نيودلهي، حَدثاً فكرياً استثنائياً تجاوزت أصداؤه الحدود الجغرافية، ليصبح مادة دسمة للنقاش في الأوساط العلمية والفلسفية حول العالم. تمثل هذا الحدث في مناظرة كبرى تحت سؤال وجودي محوري: “هل الله موجود؟”. لم تكن هذه المناظرة مجرد سجال عابر، بل كانت مواجهة عميقة بين تيارين: تيار الإلحاد الذي يمثله الشاعر والكاتب الشهير جاويد أختر، وتيار التوحيد الإسلامي الذي حمله على عاتقه المفتي الشاب والباحث الرصين شمائل أحمد عبد الله الندوي. لقد قدم هذا اللقاء نموذجاً فريداً لكيفية إدارة الصراع الفكري بلغة العصر، بعيداً عن الانفعال، وبالتركيز التام على بناء الحجة العقلية المتماسكة التي تخاطب الفطرة والمنطق في آن واحد.
الانطلاق من ركائز الاستدلال العقلي (برهان الإمكان)
افتتح المفتي شمائل الندوي مداخلته بتأسيس بنيان منطقي رصين، معيداً إحياء “البرهان الكوسمولوجي” (برهان الخلق والوجود) ولكن بقالب لغوي معاصر يسهل على العقل الحديث استيعابه. انطلق الندوي من حقيقة أن الكون وما فيه يمثل “حقيقة ممكنة”، والممكن في لغة الفلسفة هو ما استوى فيه طرفا الوجود والعدم، فلا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح خارجي.
وقد توسع المفتي في شرح هذه النقطة موضحاً:
- ضرورة السبب: إن كل كائن أو جرم أو قانون طبيعي نشاهده هو كائن “حادث” لم يكن موجوداً ثم وجد، وهذا الوجود يفتقر بالضرورة إلى علة أوجدته.
- استحالة التسلسل: بيّن الندوي أن العقل لا يقبل فكرة “تسلسل العلل” إلى ما لا نهاية، فلو كانت كل علة تحتاج إلى علة قبلها دون توقف، لما وجد هذا الكون أصلاً؛ لذا لا بد من الانتهاء إلى “علة أولى” أو “ذات واجبة الوجود” أزلية، لا تفتقر إلى سبب، وهي التي تمنح الوجود لسائر الممكنات.
- التنظيم والقانون: لم يقف عند حدود الوجود الجاف، بل أشار إلى أن القوانين الفيزيائية والرياضية الصارمة التي تحكم المجرات والذرات تدل على “قصد وإرادة”، فالعشوائية لا يمكن أن تنتج نظاماً يكرر نفسه بدقة متناهية عبر ملايين السنين.
- إن الاحتكام إلى الكثرة لو كان معياراً للحق، لكانت كل المظالم والمجازر التي ارتكبها الطغاة بتأييد من جماهيرهم “حقاً”.
- التاريخ يشهد أن الجماهير قد تصفق للظالم وتصطف خلف الباطل، فهل يجعل صمتها أو صراخها من الباطل حقاً؟
- وعندما حاول “أختر” تعميم المعيار ليشمل “جماهير الأرض قاطبة”، قلب المفتي الطاولة عليه بسؤال مفحِم: إذا كنت تعتد برأي جماهير البشرية، فإن الغالبية العظمى من البشر عبر التاريخ، وفي الحاضر أيضاً، يقرون بوجود الخالق بالفطرة والعقل، فلماذا تنفرد أنت بإنكار ما أجمع عليه أغلب سكان الأرض؟
- الرد بالمثل: أوضح المفتي أنه بإسقاط المعيار نفسه على جرائم أخرى بشعة، كالاغتصاب والاعتداء على النساء، نجد أن دولاً تتبنى العلمانية الصرفة في أوروبا تسجل معدلات مخيفة تفوق بكثير نظيراتها في دول مثل السعودية وقطر.
- فصل الحقيقة عن السلوك: أكد المفتي أن “الحق” في المفهوم الفلسفي لا يُستمد من التوزيع الجغرافي للجرائم أو من اضطرابات السياسة والاجتماع، فالحق حقيقة ثابتة قائمة بذاتها وببرهانها العقلي، ولا يضير الحق قصورُ البشر في تطبيقه.
- الشر كدليل إيمان: أضاف لفتة عميقة بأن إدراكنا “للشر” هو بحد ذاته دليل على وجود “معيار مطلق للخير” في نفوسنا، وهذا المعيار لا يمكن أن يكون مادياً، بل هو قبس من نور الخالق في الفطرة.
- تحديد الوظيفة: الكتب السماوية ليست “موسوعات للأحياء” أو سجلات لتعداد الكائنات، بل هي كتب “هداية وتوجيه”، غايتها تعريف الإنسان بربه، وتقويم سلوكه الأخلاقي، وتوضيح معنى وجوده ومصيره.
- قياس الفشل: كما أننا لا نلوم كتاباً في الرياضيات لأنه لم يذكر الديناصورات، فلا يصح لوم الوحي على ذلك؛ لأن المادة العلمية ليست هي المقصودة بالخطاب الإلهي في هذا السياق.
- حدود العلم: أشار المفتي إلى أن العلم نفسه لا يملك سجلاً كاملاً لكل كائن عاش على الأرض، ومع ذلك لا نعتبر المنهج العلمي ناقصاً، فكيف يُطالَب الوحي بما لا يُطالَب به العلم؟
- يُسمح لزعماء وكهنة “الهندوتوا” بالتلفظ بعبارات صريحة تضع معتقداتهم فوق الدستور وتدعو للتمييز، ولا تتحرك ضدهم أي جهة إعلامية أو قانونية.
- بينما يُحاكم العالم المسلم إعلامياً لمجرد أنه دافع عن عقيدته بالمنطق والحجة، أو عبر عن خصوصيته الإيمانية التي يكفلها له أي قانون عادل.
الوعي الإنساني والمنبع الأخلاقي
في محور آخر، تعمق المفتي الندوي في مسألة “الوعي” و”الأخلاق”، معتبراً إياهما دليلين قاطعين على تجاوز المادة. فلو كان الإنسان مجرد نتاج لتفاعلات كيميائية وبيولوجية محضة، لما استطاع إدراك مفاهيم مجردة كالعدل والظلم، أو التضحية والوفاء.
وأكد الندوي أن:
1. الوعي بالمعنى: الوجود ليس عبثاً مادياً، بل هو وجود “غائي”، والإنسان يشعر في أعماقه ببحث دائم عن الغاية، وهذا الشعور لا ينبع من المادة التي لا غاية لها، بل من خالق أودع هذا السر في النفس البشرية.
2. المبادئ الأخلاقية الكبرى: تساءل المفتي عن سر اتفاق البشر عبر الحضارات المختلفة على تقديس قيم معينة، موضحاً أن التطور المادي المزعوم لا يمكنه تفسير نشأة الأخلاق الحقة، بل لا بد من أصل متعالٍ تستمد منه هذه القيم ضرورتها وسلطتها الأخلاقية.
تهافت الطرح الإلحادي وتجنب المواجهة الميتافيزيقية
في المقابل، جاء طرح جاويد أختر مائلاً إلى الجانب السردي والتاريخي، حيث ركز على نشأة الأديان كظاهرة اجتماعية مرتبطة بالأساطير القديمة ومراحل تطور الإنسان النفسي. ورغم أن هذا الأسلوب قد يحمل بريقاً أدبياً، إلا أنه في ميزان البحث الفلسفي ظل ضعيفاً؛ لأنه لم يواجه “برهان الضرورة” الذي طرحه المفتي.
لقد بدا جاويد أختر وكأنه يهاجم “صوراً مشوهة” أو “سياقات تاريخية” بدلاً من أن ينقض البنية المنطقية لوجود الخالق. وهذا الانفصال بين السؤال الوجودي وبين السرد التاريخي جعل موقف الملحد أقل تماسكاً أمام الجمهور الذي كان ينتظر إجابات عقلية على تساؤلات المفتي الصارمة.
معيار الحقيقة: هل تصنعه الجماهير؟
من أكثر اللحظات إثارة في المناظرة كانت عندما حاول جاويد أختر الهروب من المأزق المنطقي بالاحتكام إلى “الجماهير”، مدعياً أن الحقيقة هي ما يتوافق عليه الناس. وهنا تجلى هدوء المفتي وعمق حجته، حيث أجاب بكلمات فضحت هشاشة هذا المعيار:
هذا الرد لم يكن مجرد إفحام، بل كان استثماراً ذكياً لنفس المنطق الذي حاول الخصم استخدامه، مما أوقعه في تناقض صارخ أمام المتابعين.
مغالطة “جغرافيا الفساد” والرد الإحصائي
انتقل جاويد أختر إلى محاولة وصم المجتمعات المتدينة بالفساد، مستخدماً صورة بلاغية حول “خريطة العالم” ومواضع الظلم والرشوة، مدعياً أنها تتطابق مع جغرافيا الدول الإسلامية، في إيحاء صريح بأن الدين هو المعوق للرقي الأخلاقي أو الاجتماعي.
لم يترك المفتي شمائل هذا الادعاء يمر، بل فككه بمنهج علمي:
الوحي ليس موسوعة أحياء: رد حاسم على “الديناصورات”
حاول جاويد أختر إثارة شبهة تبدو في ظاهرها علمية، وهي غياب ذكر “الديناصورات” في الكتب السماوية، معتبراً ذلك دليلاً على بشرية المصدر. وكان رد المفتي الندوي رداً “منهجياً” يوضح الفرق بين وظيفة الوحي ووظيفة العلم التجريبي:
ما بعد المناظرة: الهجمة الإعلامية وازدواجية المعايير
لم تنتهِ القصة بإغلاق ملف المناظرة، بل بدأت فصول أخرى من الصراع. فبعد النجاح الباهر الذي حققه المفتي شمائل، تعرض لحملة تشويه ممنهجة شارك فيها بعض من ينسبون أنفسهم للإسلام للأسف، ومؤسسات إعلامية منحازة. حاولوا من خلالها بتر مقاطع قديمة له وتقديمها في سياق “التحريض ضد الدولة” لمحاولة إسكاته أو اعتقاله.
وهنا تبرز ازدواجية المعايير بوضوح في المشهد الهندي:
الخاتمة: رسالة التوحيد وصمود الحجة
إن مناظرة دلهي لم تكن مجرد انتصار لشخص المفتي شمائل الندوي، بل كانت انتصاراً للمنهج العقلي الذي يقوم عليه الدين. لقد أثبتت أن صوت التوحيد ليس صوتاً عاطفياً فحسب، بل هو صوت يمتلك من الأدوات المنطقية والفلسفية ما يجعله صامداً أمام أعتى هجمات الفكر الإلحادي المعاصر.
لقد كانت المناظرة لحظة كاشفة؛ حيث تهاوت الشعارات البلاغية أمام البرهان، وظهر الفرق بين “الهوى” الذي يتدثر بالثقافة، وبين “العقل” الذي يستند إلى الحقيقة الأزلية. ويبقى الدرس الأهم أن الحق لا يُقاس بضجيج الجماهير ولا بخرائط السياسة، بل بالحجة التي تقف رصينة ثابتة حين تتهاوى كل الظنون.

اترك تعليقاً