في قلب التاريخ الاستعماري البريطاني المثير للجدل، تتكشف فصول مظلمة من القمع والعنف، تخفيها وثائق سرية طال إخفاؤها. هذا المقال يكشف النقاب عن تلك الحقبة المنسية، مستعرضًا الانتهاكات الممنهجة التي ارتكبتها الإمبراطورية البريطانية حول العالم، وكيف سعت جاهدة لطمس آثارها.
البداية: مطالبة بالعدالة تكشف المستور
في عام 2009، تقدم خمسة مواطنين كينيين مسنين بطلب رسمي إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، غوردون براون، مطالبين بالاعتراف بالانتهاكات التي تعرضوا لها خلال الحقبة الاستعمارية. هذه القضية، التي بدت في البداية بسيطة، وصلت إلى المحكمة العليا البريطانية في عام 2011، لتكشف عن مفاجأة مدوية: بريطانيا تعمدت إخفاء وتدمير آلاف المستندات التي توثق ممارسات قمعية ارتُكبت خلال تلك الحقبة، خشية الإضرار بسمعتها وفتح الباب أمام مطالبات قانونية.
الإمبراطورية التي غيرت العالم: قصة صعود ونفوذ
بدأت الإمبراطورية البريطانية بتأسيس شركة الهند الشرقية، التي تحولت سريعًا من مشروع تجاري إلى قوة إمبريالية تسيطر على مساحات واسعة من جنوب آسيا. ومع احتكار التجارة في الهند والصين، عززت بريطانيا نفوذها الاقتصادي والعسكري، واضعة الأسس لإمبراطورية امتدت عبر القارات.
في القرن التاسع عشر، توسعت الإمبراطورية إلى أفريقيا، حيث احتلت مصر عام 1882 وسيطرت على قناة السويس، مما ضمن لها هيمنتها على أحد أهم طرق التجارة إلى الهند. بحلول أواخر القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا قد أحكمت قبضتها على أجزاء واسعة من القارة، محققة رؤيتها بإنشاء إمبراطورية تمتد "من كيب تاون إلى القاهرة".
الصين ومعاهدات الإذلال
في الصين، فرضت بريطانيا ما يُعرف بـ"المعاهدات غير المتكافئة" بعد سلسلة من الحروب سميت بحروب الأفيون، التي بدأت بسبب قيام بريطانيا بتصدير الأفيون إلى الصين لتعويض العجز التجاري المتزايد لديها.
النهاية التدريجية: الكومنولث وتسليم هونغ كونغ
مع تصاعد التغيرات الجيوسياسية، وظهور قوى دولية منافسة، بدأت هيمنة بريطانيا العالمية بالتآكل التدريجي. وفي محاولة لإعادة صياغة علاقتها بمستعمراتها السابقة، أُعلن عام 1931 عن تشكيل الكومنولث البريطاني. ظلّت هونغ كونغ الشاهد الأخير على التاريخ الاستعماري البريطاني حتى عام 1997، لتسلمها بريطانيا رسميا إلى السيادة الصينية.
"النهج الناعم": وهم أم حقيقة؟
يروج البعض لفكرة أن الإمبراطورية البريطانية شكلت استثناء ملحوظا في القاعدة الاستعمارية، استنادًا إلى ما يُعرف بـ"النهج الناعم" البريطاني. لكن هذا التصور، بحسب عدد من الباحثين والمؤرخين، يُخفي جوانب أساسية من العنف البنيوي الذي ميز التجربة الاستعمارية.
جرائم الحرب الاستعمارية: فصول من العنف الممنهج
مجزرة كرري (أم درمان) 1898
في عام 1898، ارتكب الجيش البريطاني بقيادة الجنرال هربرت كتشنر مجازر واسعة ضد قوات المهدية السودانية في معركة كرري (أم درمان). تصف المصادر والشهادات المعركة بأنها كانت إبادة جماعية أكثر منها مواجهة عسكرية متكافئة، إذ واصل الجنود البريطانيون إطلاق النار حتى بعد هروب أو استسلام العديد من السودانيين.
مجزرة جاليانوالا باغ (الهند) 1919
في عام 1919، شهدت الهند واحدة من أسوأ المجازر، حين فتحت القوات البريطانية نيرانها على حشد من المتظاهرين المدنيين في حديقة جاليانوالا باغ بمدينة أمريتسار. لم تكتف القوات البريطانية بإطلاق النار، بل منعت أيضا تقديم الإسعافات للمصابين.
أساليب قمع وحشية أخرى
- سياسة الأرض المحروقة: إحراق القرى وتهجير السكان كوسيلة لفرض السيطرة.
- تفجير الأسرى من أفواه المدافع: أسلوب دموي تعمّد انتهاك الشعائر الدينية.
- الأحكام العرفية والإعدامات دون محاكمة: ممارسة شائعة خلال الحكم البريطاني في الهند.
ونستون تشرشل: بطل أم مدافع عن الإمبراطورية بالقمع؟
كان ونستون تشرشل، الذي يُحتفى به باعتباره رمزا للمقاومة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، من أشد المدافعين عن الحفاظ على الإمبراطورية البريطانية حتى باستخدام أساليب قمعية مثيرة للجدل.
القمع في فلسطين والعراق وأفريقيا
- فلسطين: الإعدامات العلنية دون محاكمة، وهدم المنازل كعقاب جماعي، والتعذيب المنهجي.
- العراق: استخدام القوة المفرطة لقمع الانتفاضة، مما أسفر عن دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.
- أفريقيا: عمليات عسكرية أدت إلى مقتل آلاف الأشخاص، والاعتقالات الجماعية والتعذيب في معسكرات الاعتقال في كينيا.
التمييز القانوني والاجتماعي: سياسات ممنهجة للاستغلال
- ضريبة الكوخ (Hut Tax): إجبار السكان الأصليين على العمل لدى المستوطنين الأوروبيين.
- قانون الأراضي الصادر عام 1913: منح المستوطنين البيض امتيازات عقارية طويلة الأمد وحرمان السكان الأصليين من حق التملك.
- أقراص التعريف الشخصي: إجراءات تمييزية ممنهجة تُفرّق بين السكان على أساس العرق أو الأصل.
التهجير القسري لسكان تشاغوس: جريمة ضد الإنسانية
في الستينيات، نسّقت بريطانيا سرا مع الولايات المتحدة واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في تاريخها لترحيل سكان جزر تشاغوس من وطنهم.
الاستغلال الاقتصادي والعبودية: ركائز الإمبراطورية
- إقليم البنغال الهندي: زيادات حادة في الضرائب أدت إلى مجاعة كبرى عام 1770.
- تجارة الرق: مشاركة بريطانيا في استعباد أكثر من 3 ملايين أفريقي.
الشرق الأوسط: وعود متضاربة وتشكيل الخريطة
لعبت بريطانيا دورا محوريا في تشكيل خريطة الشرق الأوسط من خلال انتهاج سياسات اتسمت بالتناقض والمراوغة، وإطلاق وعود سياسية متضاربة للشريف حسين والحركة الصهيونية.
كشف المستور: الوثائق السرية والاعتراف المتأخر
في عام 2012، شهدت المحكمة العليا في لندن واحدة من أبرز القضايا التاريخية التي سلطت الضوء على الجرائم الوحشية التي ارتكبتها بريطانيا خلال فترة استعمار كينيا. كشفت هذه القضية عن أن السلطات البريطانية سعت إلى طمس هذه الجرائم، حيث تبين أن وثائق رسمية كانت قد أُخفيت أو نُقلت سرا.
إتلاف الوثائق: محو متعمد للتاريخ الاستعماري
أظهرت مراجعة رسمية أن بريطانيا قامت بإتلاف آلاف الوثائق التي توثق أكثر الجرائم خلال السنوات الأخيرة من الإمبراطورية البريطانية، لمنع وقوعها في أيدي حكومات ما بعد الاستقلال.
الاعتذار: خطوة ضرورية نحو المصالحة
أظهرت استطلاعات حديثة أن 6 من كل 10 بريطانيين يؤيدون تقديم اعتذار رسمي لأحفاد ضحايا العبودية. خلال زيارته إلى كينيا عام 2023، أقر الملك تشارلز الثالث بارتكاب بريطانيا "أعمال عنف بغيضة وغير مبررة" خلال فترة الاستعمار، معبرا عن "الأسف العميق" لما حدث.
إرث الإمبراطورية: نفوذ مستمر وتحديات مستقبلية
رغم أن الإمبرا


اترك تعليقاً