بصائر في فقه “نصيب الدنيا”: بين حقيقة المتاع وواجب الاستثمار

إن المتأمل في الخطاب القرآني يجد إعجازاً يبهر العقول، حيث تأتي الكلمة الواحدة لتحمل في طياتها دلالات عميقة تفتح للمؤمن آفاقاً من العمل والتبصر. ومن بين هذه المواطن الاستثنائية، تبرز الآية الكريمة الواردة في سياق قصة قارون: {وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَا}. هذه الآية التي اعتاد الكثيرون في عصرنا المعاصر على سياقها كدليلٍ على طلب المتعة الدنيوية والحظوظ العاجلة، تحمل في باطنها عند سلفنا الصالح معانيَ تربوية وعقدية مغايرة تماماً، تجعل من “النصيب” وسيلةً لا غاية، ومن “الدنيا” مطيةً للآخرة لا مستقراً للآمال.

في هذا المقال، سنبحر في أعماق التفاسير الأصيلة، ونستعرض كيف فَهِم الرعيل الأول هذه الموعظة الربانية، وكيف يمكننا صياغة مفهوم التوازن بين العمل للآخرة والعيش في الدنيا بأسلوب يحفظ للروح تطلعها، وللجسد حاجاته، وللموعظة هيبتها.

المفهوم السائد مقابل الفهم السلفي العميق

شاع بين الناس فهمٌ مجتزأ لقوله تعالى {وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَا}، حيث اعتبروها رخصةً مفتوحة للاستزادة من المباحات، والانهماك في تحصيل الملاذّ، وكأن الآية جاءت لتكبح جماح الزهد. ولكن عند العودة إلى أصول التفسير وأقوال السلف، نجد أن هذا المعنى -وإن كان أحد الوجوه اللغوية- ليس هو المقصد الأسمى والوحيد الذي أجمع عليه المفسرون.

فجمهور علماء السلف يميلون إلى أن المراد بـ “النصيب” هو العمل الصالح الذي يقدمه الإنسان في حياته ليكون له ذخراً في معاده. الدنيا هنا ليست مكاناً للاستهلاك المحض، بل هي وعاءٌ للزمن وميدانٌ للجهد. إن هذا التحول في الفهم ينقل المؤمن من حالة “الاستمتاع السلبي” إلى حالة “الاستثمار الإيجابي”، حيث يصبح كل معطى دنيوي مشروعاً أخروياً بامتياز.

التفريق بين نصيب المال ونصيب الذات: رؤية علي بن أبي طالب

في وقفةٍ تأملية بليغة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يضعنا أمام تقسيم دقيق لفحوى الآية. فالصدر الأول من الآية {وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ} يتعلق بالمال والثروة والمقتنيات الخارجية؛ أي اجعل ما تملك في يدك وسيلة لرضوان الله. أما قوله {وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَا}، فقد وجهه علي رضي الله عنه نحو الأصول الذاتية للإنسان.

ويفسر ذلك بقوله: “لا تنس صحتك، وقوتك، وشبابك، وغناك؛ أن تطلب بها الآخرة”. وهذا توسيع مذهل للمعنى، ويمكننا تبيانه في النقاط التالية:

  • استثمار الصحة: الصحة ليست مجرد غياب للمرض، بل هي طاقة كامنة يجب أن تُصرف في طاعة الله قبل أن يدرك الإنسان الوهن.
  • اقتناص الشباب: مرحلة الشباب هي ذروة العطاء، فعدم نسيان النصيب فيها يعني عدم تضييع فورتها وقوتها في غير ما ينفع العبد عند لقاء ربه.
  • توظيف الغنى: الغنى ليس فقط في الأرصدة، بل في الاكتفاء الذي يتيح للإنسان التفرغ لجلائل الأعمال.
  • بناءً على هذا التأويل، يصبح “نصيبك من الدنيا” هو فرصتك الذهبية التي لن تتكرر، وهي تلك اللحظات الراهنة التي تملك فيها زمام المبادرة قبل أن يحال بينك وبين العمل.

    الترجيح الطبري والمنهج العملي لابن عباس

    سار حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما على ذات المنوال، حيث رأى أن معنى “لا تنس نصيبك” هو: لا تترك العمل لآخرتك في أيام حياتك الدنيا. وقد أيّد الإمام الطبري -شيخ المفسرين- هذا الرأي ورجحه بقوة.

    إن هذا الفهم يرتكز على فكرة أن الدنيا هي “دار الممر” والآخرة هي “دار المقر”. وبما أن المؤمن لا يملك من دنياه إلا زمنه المحدود، فإن “نصيبه” الحقيقي هو ما يستخلصه من هذه الدنيا من طاعات. ومن هنا، فإن الغفلة عن هذا النصيب تعني ضياع الأبدية. ويوضح الطبري أن سياق الموعظة الموجهة لقارون كانت تقتضي زجره عن الطغيان بالمال، وتنبيهه إلى أن ماله وقوته هما أدوات يجب تسخيرها للمآل الأخير.

    التحليل البلاغي والوعظي عند ابن عطية: قوة الموعظة وتجنب التكرار

    يطرح الإمام ابن عطية الأندلسي لفتة بارعة في تفسيره “المحرر الوجيز”، حيث يدافع عن هذا التفسير السلفي مبيناً أنه لا يمثل تكراراً للمعنى الأول في الآية. فإذا كان أول الآية يأمر بالإنفاق من المال {فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ}، فإن الشق الثاني يأمر بالعمل بالجسد والوقت والصحة.

    ويؤكد ابن عطية أن هذا التأويل يجعل الكلام “شِدَّة في الموعظة”، فالمقام مقام زجر لقارون الذي فتنته الدنيا، وليس مقام ترفيه أو إباحة للملاذّ. إن الخطاب هنا يريد أن يقول: “لا تغتر بما تملك، بل انظر إلى ما سيبقى لك”. بل إن بعض السلف ذهب إلى أبعد من ذلك بنفي المعنى المشهور تماماً، محذرين من وضع الآية في غير موضعها، مؤكدين أن نصيبك هو “ما عملت فيه بطاعة الله” حصراً.

    التفسير بالمآل: “النصيب هو الكفن”

    من أعجب وأعمق الأقوال التي نقلها المفسرون، هو القول بأن مراد الله بنصيب الإنسان من الدنيا هو “الكفن”. قد يبدو هذا المعنى صادماً للوهلة الأولى، لكنه يحمل فلسفة زهدية تهز الوجدان.

    وعلّق ابن عطية على هذا القول بتعليق يحرك القلوب الساكنة، واصفاً إياه بـ “وعظ متصل”. فكأن الواعظين يقولون للمغرور بدنياه: إنك تجمع الأموال، وتبني القصور، وتكدس الكنوز، لكن في نهاية المطاف، لا تنس أن “نصيبك” المادي الفعلي الذي ستصطحبه معك من كل هذا الحطام هو مجرد أمتار قليلة من القماش (الكفن) توارى بها في ثرى قبرك.

    هذا التفسير يهدف إلى:
    1. تحطيم الكبر: فمهما بلغت ثروة الإنسان كقارون، فإن نهايته المادية تتساوى مع أفقر الفقراء.
    2. تصحيح الأولويات: إذا كان الكفن هو النصيب المادي الوحيد، فليكن التركيز على النصيب المعنوي (العمل الصالح).
    3. إدراك الفناء: التذكير بأن كل ما يقتنيه الإنسان هو “مجازي” الحيازة، والكفن هو الحيازة “الحقيقية” الأخيرة.

    موازنة قتادة واللمحة الدعوية والتربوية

    وعلى الجانب الآخر، ورد عن قتادة تفسير يميل إلى التيسير، حيث قال إن المراد هو: “أن تأخذ من الدنيا ما أحلَّ اللهُ لك”. وهذا القول يمثل الجانب الآخر من التوازن الإسلامي، حيث لا يُحرم المرء من الطيبات التي أودعها الله في الكون.

    وهنا يأتي تعليق ابن عطية البديع الذي ينم عن حسّ دعوي رفيع، حيث يرى أن تأويل قتادة يمثل “الرفق” بالمدعو. ويوضح ابن عطية أن الداعية والمربي يجب عليه أحياناً استعمال هذا المنزع في الموعظة لعدة أسباب:

  • تأليف القلوب: فالتركيز الدائم على الشدة والزهد المطلق قد يؤدي إلى “النَّبْوة” أو النفرة من الدين.
  • مراعاة الطبيعة البشرية: الإنسان جُبل على حب التملك والاستمتاع، فالشرع يوجه هذا الحب ولا يقصه تماماً.
  • واقعية الموعظة: تقديم نموذج للدين يمكن تطبيقه، حيث يستمتع المؤمن بالحلال ويشكر الله عليه، مما يدفعه لمزيد من الطاعة.
  • إن هذا التوجيه من ابن عطية يُعد قاعدة ذهبية في فن الدعوة؛ فالشدة في موضعها مطلوبة لكسر الكبر (كما في حال قارون)، والرفق في موضعه مطلوب لجذب القلوب وتثبيتها.

    دلالات جامعة وخاتمة الموعظة

    إن دمج هذه الأقوال يمنحنا رؤية متكاملة للآية الكريمة، تتجاوز السطحية إلى العمق الإيماني. فالإنسان في رحلته الأرضية مطالب بأن ينظر إلى “نصيبه” من زوايا متعددة:

  • زاوية الواجب: أن يجعل كل ما أوتيه من مال وصحة وقوة سبيلاً لإعلاء كلمة الله وبناء آخرته.
  • زاوية الحقيقة: أن يتذكر دوماً أن مآله إلى كفن وقبر، فلا يستغرق في جمع ما سيتركه لغيره.
  • زاوية الرخصة: أن يتناول من طيبات الحياة ما يعينه على عبادة الله، دون إسراف أو خيلاء، وبقلب شاكر لا غافل.

لقد كانت قصة قارون درساً في “فقه النعم”، والآية التي نحن بصددها هي جوهر هذا الدرس. فالدنيا لم تُذم لذاتها، بل ذُمّت لكونها حاجزاً عن الآخرة إذا أُسيء فهم “النصيب” منها. فالمؤمن الكيس هو من يفهم أن نصيبه الحقيقي هو “الأثر” الذي يتركه، و”الطاعة” التي يؤديها، و”الصحة” التي ينفقها في مرضاة الله.

ختاماً، إن عبارة {وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَا} ليست دعوة للانغماس، بل هي تذكير بالفرصة. هي نداء لكل شاب أن يغتنم فتوته، ولكل غني أن يغتنم ماله، ولكل حي أن يغتنم أنفاسه، قبل أن ينقضي زمن العمل ويأتي زمن الحساب، حيث لا ينفع المرء إلا ما قدمه من نصيب باقٍ في دار البقاء. إنها دعوة للعيش بذكاء إيماني، يرى في كل متعة عابرة وسيلة للوصول إلى نعيم مقيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *