# ظاهرة الفتور بعد رمضان: الداء والدواء وسبيل الثبات
إن للنفس البشرية في تعاملها مع الطاعات أحوالاً شتى، فهي تارة تقبل وتارة تدبر، وتارة تألف العمل الصالح حتى يصبح جزءاً من كيانها، وتارة تجفوه بعد طول صحبة. وفي مواسم الخيرات، يشتد اجتهاد العبد وتغمره راحة إيمانية تجعله يتحسر على ما فات من عمره بعيداً عن كنف العبادة، ويظن في غمرة خشوعه أنه لن يترك هذا الطريق أبداً. ولكن، ما إن تنقضي تلك المواسم، حتى تبدأ عرى العمل بالانفصام شيئاً فشيئاً، وينسى القلب تلك اللذة التي ذاقها، والسكينة التي عاشها؛ وذلك لأن الإنسان جُبل على النسيان، ومن أعظم نسيانه أنه ينسى حلاوة الطاعة فيتركها، وينسى مرارة المعصية فيعاودها.
لقد شرع الله -عز وجل- مواسم البركات رحمةً بعباده، لتكون محطات للتزود، يجددون فيها عهدهم مع الخالق، ويتذوقون لذة القرب ليلزموها، ويجمعوا من الأعمال الصالحة ما يكون ذخراً لهم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
شواهد الفتور: صور من واقع ما بعد الموسم
تتجلى ظاهرة الفتور بعد رمضان في صور متعددة، يلحظها المرء في نفسه وفي مجتمعه، ومن أبرز هذه الصور:
1. هجر المصحف بعد طول ملازمة
كم من قارئ للقرآن في شهر الصيام، وجد في التلاوة أنسه، وفي التدبر راحته، فكان لا يفارق مصحفه، ولا يمل من آياته، ولا يستثقل كثرة صفحاته، بل كان يندم على كل لحظة ضاعت من عمره بعيداً عن كلام الله. ولكن، بمجرد انقضاء الشهر، انشغل بالعيد وولائمه واجتماعاته، وأصبح كل يوم يمر يبعده عن القرآن خطوة، حتى استثقل العودة، وأصبح المصحف يعلوه الغبار بعد أن كان أنيساً لا يفارق اليد.
2. التثاقل عن قيام الليل
كم من محافظ على صلاة التهجد، ذاق أعظم اللذة في مناجاة الله في هجعة الليل وأوقات السحر، وكان يبكر لصلاة الفجر بنشاط وحيوية. ولكن بعد رمضان، تغير نظام النوم والطعام، فترك قيام الليل، بل ربما فاته الوتر، وأصبح يجر خطاه بثقل إلى المساجد لأداء الفرائض، بعد أن كان يسابق إليها.
3. التراجع عن نوافل الصيام
كم من عازم في رمضان على المحافظة على صيام النافلة، بعد أن رق قلبه وأحس بفرحة الصائم عند فطره، ووعد نفسه ألا يحرمها من هذا الفضل طوال العام، بل ربما حدثته نفسه بصيام يوم وإفطار يوم (صيام داود عليه السلام). وهو الآن، بعد رمضان، يصارع نفسه في صيام الست من شوال، ولا يدري أيقدر عليها أم يغلبه الفتور!
ما الذي تغير؟ وهل العيد عائق عن الطاعة؟
يتساءل الكثيرون: ما الذي تبدل؟ وهل أصبح العيد حاجزاً بين العبد وبين ربه، رغم أن العيد في حقيقته هو يوم شكر على تمام الطاعة وتوفيق الله للصيام والقيام؟ إنها ظاهرة الفتور التي تلي الاجتهاد. والناظر في المساجد اليوم يلحظ تفلت المصلين، وقلة التالين، وتغيراً واضحاً في أحوال الصائمين.
إن الاستفادة الحقيقية من مواسم الطاعة لا تكمن في كثرة العمل داخل الموسم فحسب، بل في أن يخرج العبد منها بحال أفضل مما كان عليه قبلها، بقلب أكثر صلاحاً، وإقبال أعظم على الله. وهذا لا يتحقق إلا باتباع الهدي النبوي في الثبات على العمل.
المنهج النبوي في المداومة على العمل
لقد علمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن العبرة بالاستمرار وإن قل العمل. فعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: “كَانَ لِرَسُولِ اللَّـهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّـهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَلَّ»”.
وكان آل محمد -صلى الله عليه وسلم- إذا عملوا عملاً أثبتوه، وكانت عائشة -رضي الله عنها- إذا عملت العمل لزمته. فالثبات هو روح العمل، والمداومة هي شعار المؤمن الصادق.
قواعد عملية للثبات بعد رمضان
ليس عسيراً على المؤمن أن يجتهد في موسم معين، ولكن الاختبار الحقيقي هو الثبات بعد رحيل الموسم. ولتحقيق ذلك، لا بد من مراعاة الأمور التالية:
1. استحضار قصر العمر: أن ينظر العبد إلى أن كل يوم يمضي يقربه من قبره، ولن ينفعه هناك إلا عمله. فطول الأمل في الدنيا غرور، فإذا رسخ هذا اليقين في عقله، صلح قلبه وأقبلت نفسه على الطاعة.
2. الأخذ بما تطيقه النفس: التزاماً بوصية النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذ تحملت النفس فوق طاقتها، أصيبت بالملل، ثم الإحباط، ثم اليأس، مما يؤدي في النهاية إلى ترك العمل بالكلية.
3. تخفيف العمل لا قطعه: من كان يقوم الليل كله في رمضان، فليقم بعضه بعده. فإن شق عليه القيام آخره، فليوتر في أوله، ولا يترك القيام تماماً حتى تزول فترة كسله ويعود لنشاطه.
4. المحافظة على ورد القرآن: من كان يختم في ثلاث، فليجعل الختمة في سبع أو عشر أو أكثر، لكن إياك وهجر القرآن. يجب أن يكون لك ورد يومي لا تتركه مهما كانت المشاغل والصوارف.
5. تعظيم الفرائض والتبكير للمساجد: إن انتظار الصلاة عبادة تقود إلى غيرها من الطاعات. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي، فَقَدْ أَفْلَحَ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» (رواه أحمد).
فقه الفتور عند علماء الأمة
لقد أسهب الإمامان ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله- في تشخيص هذه الحالة:
- يقول ابن تيمية: الناس في فترة فتورهم نوعان: نوع يلزم السنة فلا يترك مأموراً ولا يفعل محظوراً، بل يلزم العبادة حتى الموت، كما قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ}. ونوع يخرج إلى البدعة أو الفجور، فيقال: كان مجتهداً ثم صار كذا وكذا.
- ويقول ابن القيم: تخلل الفترات أمر لازم للسالكين. فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد، ولم تخرجه من فرض أو تدخله في محرم، رُجي له أن يعود خيراً مما كان.
- وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “إِنَّ لِهَذِهِ الْقُلُوبِ إِقْبَالًا وَإِدْبَارًا، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَخُذُوهَا بِالنَّوَافِلِ، وَإِنْ أَدْبَرَتْ فَأَلْزِمُوهَا الْفَرَائِضَ”.
كيف تنفض غبار الكسل عن قلبك؟
إن الفتور ينشأ من الكسل والتثاقل، وعلاج هذا الداء يكون بالاقتداء بالصالحين والملائكة. انظر إلى الملائكة الذين قال الله فيهم: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}.
وتأمل في وصية الله لموسى وهارون عليهما السلام: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي}، أي لا تفترا ولا تتوانيا. فإذا كان هذا التحذير لنبيين كريمين في مقام عظيم، فكيف بنا نحن؟
كذلك، حذرنا الله من التثاقل فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ}. فإذا كان العتاب على التثاقل في الجهاد، فهو ينسحب على التثاقل في الفرائض والنوافل.
الخاتمة: الذكر هو مفتاح النشاط
تذكر دائماً أن الكسل في العبادة من صفات المنافقين: {وَإِذَا قَاَمُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى}. والسبيل للنجاة هو الإكثار من ذكر الله؛ لأن الله قرن كسل المنافقين بقلة ذكرهم. فأكثر من الذكر، وأكثر من الاستعاذة بالله من الكسل، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر من قول: “اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل”.
إن من رأى أحوال الكسالى رثى لهم، لأنهم ضيعوا ما ينفعهم في دينهم ودنياهم. فكن من الصادقين الذين إذا عرضت لهم فترة، ألقوا أنفسهم بباب الله ذليلين مستكينين، ينتظرون الفرج والمدد، ليملأ الله إناء قلوبهم برحمته وفضله.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يثبت قلوبنا على دينه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.

اترك تعليقاً