تحت الأنقاض: عائلة مقداد وتحدي البقاء في مخيم الشاطئ
في قلب مخيم الشاطئ شمال غرب مدينة غزة، تتجسد مأساة إنسانية فريدة بطلها عائلة "مقداد". تعيش العائلة في بناية من أربعة طوابق، لكنها ليست كأي بناية؛ فهي هيكل خرساني منهك بلا درج أو سلالم، يئن تحت وطأة الدمار الذي خلفته الحرب. هنا، يقضي جهاد مقداد (أبو محمد) وزوجته وأطفاله أيامهم في عزلة إجبارية بين سكون الأطلال وخشية الانهيار المفاجئ في أي لحظة.
خلال حرب الإبادة، واجهت العائلة تهديدات بالإخلاء القسري، ليعودوا بعد رحلة نزوح قصيرة ويجدوا منزلهم قد تحول إلى هيكل شبه محطم، يفتقر لأدنى مقومات الحياة، لكنه ظل الملاذ الوحيد المتبقي لهم بدلاً من العراء.
رحلة الموت اليومية: صعود بلا سلالم
تحول التنقل داخل المنزل إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث يضطر أفراد العائلة إلى مواجهة تحديات قاسية تشمل:
- تحدي الوصول: اختفاء الدرج بالكامل، مما يجعل الصعود للطوابق العليا رحلة شاقة وخطيرة.
- نقل المياه: حمل غالونات المياه الثقيلة من صهاريج الشارع وتسلق الركام بها على الأكتاف.
- انعدام الخدمات: العيش بلا إنارة، وبجدران متصدعة وشرفات معلقة بلا حماية.
تصف فاطمة مقداد اللحظات المرعبة التي عاشتها حين انزلقت قدمها أثناء محاولتها ممارسة مهامها المنزلية على شرفة متهالكة، مؤكدة أن العيش في هذا المكان هو اختبار يومي للصبر والقدرة على التحمل.
منازل غزة المدمرة: واقع يتجاوز حدود الاحتمال
منزل عائلة مقداد ليس مجرد جدران محطمة، بل هو نموذج لآلاف منازل غزة المدمرة التي سكنها الصبر. يصف أبو محمد حال المنزل كإنسان ينازع بين الحياة والموت؛ حيث يلتصق حطام مصعد الجيران بسقف شقتهم كتهديد دائم بالانهيار الكلي.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أرقام صادمة بحلول عام 2026:
- تدمير أو تضرر نحو 92% من الوحدات السكنية في قطاع غزة.
- أكثر من 436 ألف وحدة سكنية بحاجة لإعادة إعمار أو ترميم.
- آلاف العائلات لا تزال بلا مأوى آمن في ظل الشتاء القارس.
الحصار يعطل الإيواء: الكرفانات حلم مؤجل
رغم تفاهمات وقف إطلاق النار التي نصت على تسهيل دخول المساعدات الإنسانية والإيوائية، إلا أن سلطات الاحتلال لا تزال تفرض قيوداً مشددة تمنع وصول الحلول المؤقتة للعائلات المنكوبة:
- احتجاز الكرفانات: تُمنع الغرف المتنقلة من الدخول وتظل عالقة عند المعابر.
- المماطلة المتعمدة: تُحتجز شاحنات مواد الإيواء لساعات وأيام بذريعة "الدواعي الأمنية".
- تعطيل الاتفاقيات: تحول وعود الإيواء إلى نصوص معطلة تزيد من معاناة النازحين.
صمود وسط الركام
يبقى التساؤل المرير الذي يطرحه أبو محمد: "ما البديل؟ هل ننام فوق الركام في العراء؟". بالنسبة لعائلة مقداد، يظل هذا الحطام المتهالك أرحم قليلاً من الشارع، في انتظار لحظة فرج تنهي كابوس العيش معلقين بين السماء والأرض، حيث تتحول الرغبة في البقاء إلى القوة الوحيدة التي تبقيهم ثابتين فوق أنقاض منزلهم.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً