مقدمة: جوهر الثبات في زمن التحول
في تاريخ الأمم والرسالات، تمرُّ لحظاتٌ فارقة تُختبر فيها العزائم، وتُفحص فيها العقائد تحت وطأة الضغوط والتحولات الكبرى. وفي تاريخنا الإسلامي، تبرز شخصية الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) ليس فقط كفقيهٍ ومحدث، بل كرمزٍ كوني للثبات الوجداني والعقلي. إنَّ دراسة سيرة هذا الإمام في ظل محنة ‘خلق القرآن’ ليست مجرد استرجاع لوقائع تاريخية، بل هي قراءة في ‘بَوْصلة الثبات’ التي وجهت قلب رجل واحد ليواجه تياراً فكرياً وسلطوياً جارفاً، محققاً قول الله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: 27].
أولاً: العبقرية العقلية.. الانضباط بمنهج الوحي
لم يكن صمود الإمام أحمد صموداً عاطفياً مجرداً، بل كان قائماً على عبقرية عقلية فذة تدرك أبعاد النص الشرعي ومآلات الأفكار. في زمنٍ سادت فيه الفلسفات الاعتزالية التي حاولت إخضاع النص للعقل البشري المحدود، وقف الإمام أحمد ليؤكد أن العقل الصريح لا يصادم النقل الصحيح، بل هو خادمه وتابعه. لقد أدرك الإمام أن التنازل في ‘أصل’ من أصول العقيدة هو بمثابة فتح الباب لهدم البناء بأكمله.
كان منهجه العقلي يعتمد على الاستمساك بما كان عليه السلف الصالح، وهو تطبيق عملي للحديث الشريف: (تركتُ فيكم شيئينِ لن تضلوا بعدهما: كتابَ اللهِ، وسنتي) [صحيح الجامع]. إنَّ هذا الانضباط المنهجي هو ما منع العقل الجمعي للأمة في ذلك الوقت من الانزلاق نحو التمييع الفكري، وجعل من الإمام أحمد حارساً للوعي الإسلامي الأصيل ضد التحريف والتأويل المنحرف.
ثانياً: الصمود الوجداني.. القوة المستمدة من اليقين
تجلت عبقرية الصمود الوجداني لدى الإمام في تلك الصلابة النفسية التي لم تكسرها سياط الجلادين ولا وحشة السجون. إنَّ الثبات الوجداني يعني أن يظل القلب موصولاً بالخالق حينما تنقطع به سبل المخلوقين. يقول الإمام أحمد معبراً عن هذا الحال: ‘إذا كان الله معي فمن أخاف؟’. هذا اليقين هو الذي حول زنزانة السجن إلى محراب للعبادة، والابتلاء إلى وسيلة للارتقاء.
لقد جسد الإمام المعنى الروحاني للحديث النبوي: (عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إن أصابتْه سراءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضراءُ صبرَ فكان خيرًا له) [رواه مسلم]. إنَّ هذا الرضا الوجداني لم يكن ضعفاً، بل كان طاقة جبارة مكنته من الصبر على الضرب والتعذيب لسنوات، ثابتاً على قوله بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو موقفٌ لم يقصده لذاته فحسب، بل حمايةً لقدسية المصدر الإلهي للتشريع.
ثالثاً: بوصلة الثبات في مواجهة الفتنة
المحنة التي عاشها الإمام أحمد (المعروفة بمحنة خلق القرآن) لم تكن مجرد جدل لاهوتي، بل كانت محاولة لإعادة صياغة الهوية الإسلامية بضغطٍ من السلطة السياسية. هنا تبرز بوصلة الثبات عند الإمام في نقاط جوهرية:
- الوضوح المبدئي: لم يلجأ الإمام للتورية أو المداهنة في موطن يحتاج إلى الصدع بالحق، لعلمه أن مقام ‘الإمامة في الدين’ يتطلب تضحية خاصة.
- العلم بالواقع: كان يدرك أن العامّة يرقبون موقفه، فلو أجاب لضلّ بسببه آلاف الخلق، فصمد رحمةً بالأمة وشفقاً عليها.
- التوكل المطلق: استحضار قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ) [الزمر: 36].
رابعاً: مدرسة الزهد وعلاقتها بالثبات
لا يمكن فهم ثبات الإمام أحمد دون النظر إلى زهده وتقواه. لقد كان رجلاً قد طلّق الدنيا بقلبه قبل أن يبتلى بجسده. فالإنسان الذي لا تملكه الدنيا، لا تستطيع القوى المادية كسر إرادته. كان يرى في الفقر عزاً، وفي الكفاف غنى، مما جعله عصياً على الترغيب بالسلطة أو الترهيب بالسلب. لقد كان يعيش معنى قوله تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ) [الشورى: 20].
إنَّ هذا التوازن بين العلم والعمل، وبين الفقه والزهد، هو ما صقل شخصيته القيادية، وجعل من كلماته سياطاً على الظلم، ومن سكوته حجةً على الباطل. لم يكن يبحث عن بطولة زائفة، بل كان يهرب من الشهرة، لكنَّ الله رفع ذكره وأعلى شأنه لمّا صدق معه.
خامساً: أثر الإمام أحمد في واقعنا المعاصر
نحن اليوم نعيش في ‘مهب التحولات’ الكبرى؛ تحولات فكرية، واجتماعية، وتقنية تتقاذف عقول الشباب المسلم. وسيرة الإمام أحمد تقدم لنا اليوم خارطة طريق للتعامل مع هذه التحديات عبر:
- تعزيز المناعة الفكرية: بالرجوع إلى الأصول الصحيحة والتمسك بالوحي في مواجهة سيولة القيم.
- الصمود النفسي: من خلال تقوية الرابطة مع الله عز وجل عبر العبادة والذكر، مما يولد ثباتاً أمام الأزمات المادية والمعنوية.
- المسؤولية الاجتماعية: إدراك أن الفرد المسلم، خاصة صاحب العلم، هو قدوة لغيره، وثباته هو ثبات للمجتمع من حوله.
خاتمة: عبقرية الصمود وخلود الأثر
لقد رحل الإمام أحمد بن حنبل بجسده، لكنَّ ‘بوصلة الثبات’ التي أرساها لا تزال تشير نحو الحق. إنَّ قصته ليست مجرد حكاية عن سجن وجلد، بل هي ملحمة إنسانية إيمانية تبرهن على أن الحق أقوى من القوة، وأن اليقين أصلب من الحديد. فمن أراد أن يصمد في وجه تحولات العصر، فليستقِ من تلك العين الصافية، وليعلم أنَّ ثبات الخطى يبدأ من ثبات القلب على مراد الله، كما قال سبحانه: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) [الروم: 60].
رحم الله إمام أهل السنة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعلنا ممن يستنون بسنته في الثبات واليقين.

اترك تعليقاً