معركة البقاء: مزارعو غزة يواجهون الرماد بالفؤوس اليدوية
بعد مرور نحو أربعة أشهر على سريان اتفاق وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة، بدأت الأرض تتنفس بحذر وسط صمت لا يعكس التعافي بقدر ما يمثل استراحة محارب. في هذا المشهد الضبابي، عاد المزارعون إلى حقولهم التي استحال بعضها إلى أكوام من الركام، مسلحين فقط بـ فؤوس يدوية وإرادة صلبة ترفض الانكسار.
العودة إلى "أرض الرماد": قصة محمود الغول
يقف المزارع محمود الغول (55 عاماً) وسط ما كان يوماً بساطاً أخضر يفيض بالخضروات في مدينة غزة. اليوم، يبحث محمود بين أكوام التراب والرماد عن ملامح أرضه التي هجرها قسراً في أكتوبر 2023.
يقول محمود بمرارة: "كانت هذه الأرض مصدر رزقنا الوحيد، واليوم في عام 2026، نتساءل كيف سنواصل العيش؟". يواجه محمود واقعاً مريراً؛ حيث لا يملك ثمن استئجار الآليات الثقيلة لإزالة السواتر الترابية التي خلفها الاحتلال، مما يضطره لاستخدام أدوات بدائية في مهمة تبدو مستحيلة.
تحديات لوجستية: زراعة بلا إمكانيات
في منطقة مواصي خان يونس، يروي المزارع أحمد أبو بريكة (42 عاماً) فصلاً آخر من المعاناة، حيث تحولت الزراعة إلى معركة جسدية يومية.
أبرز النواقص التي تواجه المزارعين:
- غياب بذور الزراعة الأساسية.
- تدمير شبكات وأنابيب الري بالكامل.
- انعدام المبيدات اللازمة لحماية المحاصيل.
- الارتفاع الجنوني في تكاليف المستلزمات إن وجدت.
جنون الأسعار: الاقتصاد الذي ينهك المزارع
في دير البلح، يسلط المزارع خليل الحج الضوء على "تسونامي" الغلاء الذي ضرب القطاع الزراعي. يصف خليل الواقع بأنه استغلال بشع من قبل بعض التجار تحت ذريعة صعوبات التنسيق والاستيراد.
| المادة الزراعية | السعر قبل الحرب (شيكل) | السعر الحالي (شيكل) |
|---|---|---|
| لفة أنابيب الري | 50 | 1000 |
| تكلفة دونم الفجل | 50 | 2000 |
| بذور 3 دونمات بطاطس | 200 | 10,000 |
أرقام صادمة: حجم الإبادة الزراعية في غزة
تكشف التقارير الرسمية الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي ومنظمة الأغذية والزراعة (فاو) عن أرقام مرعبة تعكس حجم الكارثة:
- تدمير المساحات: تضرر ما بين 90% إلى 95% من الأراضي الزراعية.
- تجريف التربة: تجريف 145 كم² من الأراضي الخصبة التي تحتاج سنوات لاستصلاحها.
- البنية التحتية: تدمير 1,100 بئر زراعي و12,500 دفيئة زراعية.
- الخسائر المادية: تُقدّر الخسائر المباشرة للقطاع بنحو 2.2 مليار دولار.
الزراعة كفعل مقاومة وصمود
رغم هذا السواد، يرى يوسف سالم (60 عاماً) من الشيخ رضوان أن الزراعة هي رسالة تحدٍ. فقد قامت بناته بإنشاء مشتل صغير لزراعة البطاطس فوق أنقاض منزلهم المدمر. يقول يوسف: "لن ينجحوا في اقتلاعنا، نحن متجذرون هنا كأشجار الزيتون".
رؤية الخبراء: كيف يمكن إنقاذ زراعة غزة؟
يؤكد المهندس محمد أبو عودة، الناطق باسم وزارة الزراعة، أن التعافي الحقيقي مرتبط بـ ثلاثة شروط أساسية:
- فتح المعابر: بشكل كامل وغير مشروط لإدخال المعدات.
- إعادة الإعمار: البدء الفوري في إصلاح الآبار وشبكات الري.
- الدعم المباشر: توفير البذور والأسمدة بأسعار مدعومة للمزارعين.
إن استمرار العمل بالفؤوس اليدوية في ظل غياب الآليات الثقيلة والوقود يعني تحول الجرح الزراعي إلى نزيف دائم يهدد الأمن الغذائي لما تبقى من سكان القطاع المحاصر.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً