بين المشروع الإيراني والصهيونية: كشف زيف اتهامات التصهين

# بين المشروع الإيراني والصهيونية: كشف زيف اتهامات التصهين وقلب الحقائق

الحمد لله الذي جعل العدل ميزان الأرض، والصلاة والسلام على من بُعث ليتمم مكارم الأخلاق ويقيم القسط بين الناس، أما بعد:

إننا نعيش في زمنٍ التبست فيه المفاهيم، واختلطت فيه الحقائق بالأوهام، وأصبح فيه قول الحق عبئاً ثقيلاً ينوء بحمله إلا المخلصون. ومن أعظم الفتن التي نمر بها اليوم هي محاولة البعض «صناعة وعيٍ زائف» يهدف إلى لجم الأفواه الصادقة، وتشويه المواقف المبدئية، عبر إلقاء تهمٍ جزافية لا تستند إلى واقع ولا تعتمد على برهان.

معضلة التوصيف والاتهام بالباطل

يُطلّ علينا بين الحين والآخر ثلة من المثقفين، الذين نصبوا أنفسهم حراساً على الوعي الجمعي، ليُمارسوا نوعاً من «الإرهاب الفكري» ضد كل من يجرؤ على كشف عوار المشروع الإيراني في منطقتنا. هؤلاء، وحرصاً منهم على حماية حلفاء طهران، أو مداراةً لمن يدعون لاجتياح دول الخليج العربي، يعمدون إلى حيلةٍ خبيثة؛ وهي وصم المعارضين لهذا التمدد التدميري بأنهم «متصهينون» أو أنهم بمواقفهم هذه يخدمون المشروع «الصهيوصليبي».

إن هذا المسلك ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو قلبٌ صريح للحقائق، ومجانبة تامة للعدل والإنصاف. إنهم يحاولون إيهام الشعوب بأن المعركة في المنطقة هي معركة ذات اتجاه واحد، فإما أن تقبل بالهيمنة الإيرانية وميليشياتها، وإما أنك بالضرورة في خندق الصهيونية. وهذا المنطق «الاختزالي» هو أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع.

نبض الشعوب: سورية نموذجاً للصمود والوعي

إذا أردنا أن نزن الأمور بميزان الواقع لا بميزان الأيديولوجيا المنحرفة، فلننظر إلى الشعوب التي اكتوت بنيران المشروع الإيراني. إن هذه الشعوب، رغم جراحها الغائرة التي تسببت فيها الميليشيات الطائفية، لم تنسَ يوماً قضيتها المركزية، ولم تمل بوصلتها نحو العدو الصهيوني لحظة واحدة.

ولنا في الساحة السورية خير شاهد ودليل؛ ففي الوقت الذي كان فيه المشروع الإيراني يمعن قتلاً وتشريداً في السوريين، خرجت الجماهير في مئات المظاهرات الشعبية -التي تجاوز عددها مائتين وخمسين مظاهرة- لا لشيء إلا نصرةً لفلسطين. خرج هؤلاء المكلومون ليرفضوا القرارات الصهيونية الجائرة المتعلقة بإعدام الأسرى الفلسطينيين، في تحدٍ صارخ لكل القوانين الدولية والشرائع السماوية.

بل إن تلك الحناجر التي بُحت من الظلم الإيراني، هي نفسها التي صدحت في الميادين رفضاً للاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى وإغلاقه أمام المصلين. ومن أعظم الشعارات التي هزت الأركان في تلك المظاهرات: “قالوا حماس إرهابية… سوريا كلها حمساوية”. فهل يُعقل أن يُوصف هؤلاء بالتصهين؟ وهل يمكن لعاقل أن يتهم شعباً يُذبح بسكين حلفاء إيران بأنه يميل نحو المشروع الصهيوني وهو يهتف لنصرة المقاومة في فلسطين؟

حقيقة الصراع وتعدد الجبهات

إن الشعوب العربية، ودعاتها المخلصين، يدركون يقيناً أن الأمة تواجه تحديات وجودية على جبهات متعددة. فالمشروع الإيراني، الذي دمر العواصم العربية ونشر الطائفية، لا يقل خطراً في آثاره التدميرية عن المشروع الصهيوني. ومعارضة أحدهما لا تعني بأي حال من الأحوال موالاة الآخر.

إن اتهام المعارضين لإيران بالتبعية للغرب أو الصهيونية هو محاولة لـ «شيطنة» الخصم السياسي والفكري، وهروب من استحقاق الإجابة على الأسئلة الجوهرية: ماذا فعل المشروع الإيراني في العراق وسوريا واليمن ولبنان؟ وهل نصرة القدس تمر عبر تدمير حلب وصنعاء وبغداد؟

إن الوعي الجمعي للشعوب قد تجاوز هذه الأطروحات السطحية. فالناس يفرقون جيداً بين من يدعم قضيتهم صدقاً، وبين من يتخذها «قميص عثمان» ليتمدد جغرافياً وسياسياً على حساب دمائهم وأوطانهم.

رصد التحالفات الحقيقية: من الذي اصطف؟

في المقابل، وبالنظر المنصف دون تعميم جائر، نجد أن هناك أحزاباً وشخصياتٍ قد أعلنت اصطفافها الصريح مع المشروع الإيراني. وهذا الاصطفاف لم يكن مجرد توافق سياسي عابر، بل اتخذ أشكالاً أعمق وأخطر:

1. المبايعة العقدية: حيث أعلنت بعض الأطراف مبايعتها الصريحة لـ «الولي الفقيه»، معتبرة أوامره نصاً مقدساً يعلو فوق مصالح الأوطان ودماء الشعوب.
2. التحالفات الاستراتيجية: التصريح بإقامة تحالفات مصيرية مع المشروع الصفوي، واعتباره المظلة الوحيدة التي يجب الانضواء تحتها، مهما كان الثمن المدفوع من كرامة الشعوب وسيادتها.
3. الجهل المركب: وجود فئات انخدعت بالشعارات البراقة، وجهلت حقيقة هذا المشروع ومآلاته الكارثية، فظنت أن الارتماء في أحضان طهران هو السبيل الوحيد لمواجهة الصهيونية.

وهنا نسأل هؤلاء المثقفين: أين هو العدل والإنصاف حين تغضون الطرف عن هذه التبعية الصريحة والمواقف المدانة، ثم تسارعون إلى اتهام الأحرار بالتصهين لمجرد أنهم رفضوا الهيمنة الإيرانية؟ إن تسوية هذه المواقف، أو قلبها، أو تحميل طرف ما لم يقله، هو خيانة للأمانة العلمية والفكرية.

وجوب إقامة القسط والعدل في الحكم

إن الإسلام قد وضع لنا ميزاناً دقيقاً في الحكم على الناس والمواقف، وهو ميزان العدل الذي لا يميل مع الهوى. قال الله تعالى في محكم تنزيله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}.

إن العدل يقتضي منا:

  • أن نزن الناس بميزان واحد، فلا نكيل بمكيالين.
  • أن ننسب القول إلى قائله كما هو، دون تأويل فاسد أو تقويل ما لم يقل.
  • أن لا نصادر حق الشعوب في الدفاع عن هويتها وأرضها ضد أي مشروع توسعي، سواء كان صهيونياً أو صفوياً.
  • أن ندرك أن العداء للمشروع الإيراني ينطلق من منطلق الدفاع عن الأمة، وليس من منطلق الارتماء في أحضان أعدائها الآخرين.

كلمة أخيرة إلى الواهمين

يا عباد الله، إن الحق أبلج والباطل لجلج. إن الشعوب التي ضحت بالغالي والنفيس من أجل حريتها وكرامتها، لن تقبل أن تُستبدل احتلالاً باحتلال، أو ظلماً بظلم. إننا لسنا بمتصهينين، ولن نكون يوماً في خندق أعداء الأمة، ولكننا أيضاً لن نكون أدوات في يد مشروعٍ أثبتت الوقائع أنه لا يقل دمويةً وحقداً على أمتنا من أي عدو آخر.

إن محاولة إخراس صوت الحق عبر تهمة «التصهين» هي محاولة يائسة، فقد كشفت الميادين معادن الرجال، وأثبتت المظاهرات في أصعب الظروف أن بوصلة الأحرار لا تخطئ الطريق. ففلسطين في القلب، والقدس في العيون، ولكن الكرامة العربية والسيادة الإسلامية لا تُجزأ، ولا تُباع في سوق المزايدات السياسية.

نسأل الله أن يبصرنا بحقائق الأمور، وأن يرزقنا العدل في القول والعمل، وأن يحفظ أمتنا من كيد الكائدين ومكر الماكرين. والله الهادي إلى سواء السبيل.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *