تشهد العلاقات الأمريكية الفنزويلية تحولات دراماتيكية متسارعة، تتأرجح بين بوادر انفراجة اقتصادية وشيكة وتوترات أمنية ميدانية مقلقة. ففي أعقاب العملية العسكرية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وتولي نائبته ديلسي رودريغيز زمام السلطة مؤقتاً، بدأت واشنطن في رسم ملامح مرحلة جديدة تتعامل فيها مع الواقع السياسي المتغير في كاراكاس.
انفراجة اقتصادية: رفع العقوبات عن قطاع النفط
أدلى وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بتصريحات هامة تشير إلى نية واشنطن تخفيف الحصار الاقتصادي المفروض على فنزويلا. وأوضح بيسنت أن الولايات المتحدة قد ترفع عقوبات إضافية خلال أيام معدودة، بهدف تسهيل عمليات بيع النفط الفنزويلي وتدفق عوائده.
أبرز ملامح التحرك الاقتصادي الأمريكي:
- تسييل الأصول المجمدة: كشف بيسنت عن إمكانية توظيف ما يقارب 5 مليارات دولار من حقوق السحب الخاصة التابعة لصندوق النقد الدولي والمجمدة حالياً، لدعم جهود إعادة بناء الاقتصاد الفنزويلي المنهك.
- تسهيل مبيعات النفط: تدرس وزارة الخزانة إجراء تغييرات تشريعية تسمح بإعادة عوائد النفط المخزن على متن السفن إلى فنزويلا بشكل أكثر سلاسة.
- تعاون دولي: من المقرر أن يجتمع وزير الخزانة مع قيادات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمناقشة آليات إعادة انخراط هذه المؤسسات في المشهد الاقتصادي الفنزويلي.
تحذيرات أمنية مشددة: "غادروا فوراً"
على الجانب الآخر من التفاؤل الاقتصادي، يسود قلق أمني بالغ دفع بوزارة الخارجية الأمريكية إلى إصدار تحذير شديد اللهجة لرعاياها. فقد حثت الوزارة الأمريكيين المتواجدين في فنزويلا على "مغادرة البلاد فوراً"، معتبرة أن الوضع الأمني بات غير مستقر على الإطلاق.
أسباب القلق الأمني:
- نشاط الجماعات المسلحة: أشارت التقارير إلى قيام جماعات مسلحة تُعرف باسم "كوليكتيفوس" بنصب حواجز تفتيش في الطرقات للبحث عن مواطنين أمريكيين أو أشخاص يُشتبه في دعمهم للولايات المتحدة.
- الاضطرابات المدنية: تشهد العاصمة كاراكاس حالة من الغليان، حيث خرج الآلاف من أنصار مادورو في مظاهرات حاشدة للتنديد باعتقاله، حاملين صوره وصور زوجته سيليا فلوريس، مما يزيد من احتمالات التصادم الميداني.
مسار دبلوماسي "استكشافي" بين واشنطن وكاراكاس
رغم التوترات، يبدو أن هناك رغبة متبادلة في فتح قنوات اتصال رسمية. فقد أعلنت الحكومة الفنزويلية المؤقتة عن بدء عملية "دبلوماسية استكشافية" تهدف إلى تقييم إمكانية استئناف التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، ومن المتوقع أن يزور وفد فنزويلي الولايات المتحدة قريباً لهذا الغرض.
من جانبه، أكد المسؤولون في واشنطن أن هناك مباحثات جارية حول "الاستئناف التدريجي" لعمليات السفارة الأمريكية في كاراكاس، مما يعكس رغبة في استقرار الأوضاع بعد العملية العسكرية الأخيرة.
مستقبل فنزويلا في ظل القيادة المؤقتة
مع تولي ديلسي رودريغيز الرئاسة مؤقتاً، تجد فنزويلا نفسها عند مفترق طرق؛ فإما المضي قدماً نحو تسوية شاملة تنهي سنوات من العزلة والعقوبات، أو الانزلاق إلى مزيد من الفوضى الأمنية في حال فشلت الأطراف في احتواء غضب الشارع وتأمين الانتقال السياسي.
يبقى السؤال القائم: هل ستنجح "دبلوماسية النفط" التي تقودها وزارة الخزانة الأمريكية في تهدئة الأجواء المشحونة، أم أن التحديات الأمنية على الأرض ستعرقل أي تقارب محتمل؟


اترك تعليقاً