لقد مثل بزوغ فجر الإسلام انعطافة تاريخية كبرى في مسيرة البشرية، ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في المعتقدات الغيبية، بل كان ثورة شاملة على المفاهيم الجاهلية التي استعبدت الإنسان، وبالأخص المرأة. فبينما كانت المرأة تعاني من تهميش مطبق وظلم اجتماعي وقانوني جعلها في مصاف المتاع الذي يورث ولا يَرث، جاء القرآن الكريم ليرسي قواعد سامية من الرحمة والعدالة والمساواة الإنسانية. إن المتأمل في آيات الذكر الحكيم يدرك أن الإسلام لم يكتفِ بمنح المرأة حقوقاً ثانوية، بل جعل صيانة كرامتها جزءاً أصيلاً من العقيدة والتشريع، معيداً لها هويتها المسلوبة بعد قرون من الجور والظلام.
من غياهب الجاهلية إلى رحاب العدالة الربانية
لقد كانت وضعية المرأة قبل الإسلام تجسيداً للإجحاف في أبشع صوره، حيث كانت تُسلب حقها الأساسي في الوجود عبر عادة “وأد البنات” التي كانت وصمة عار في جبين الجاهلية. فجاء الإسلام ليحرم هذه الجريمة النكراء، محولاً نظرة المجتمع للبنت من كونها هماً وعبئاً إلى كونها باباً من أبواب الجنة ورحمة يفيض بها البيت. ولم يتوقف الأمر عند حق الحياة، بل امتدت الرعاية لتشمل كافة مراحل عمرها، من الطفولة إلى الصبا، ومن الزوجية إلى الأمومة، وصولاً إلى مرحلة الشيخوخة التي أوجب فيها الإسلام إكرامها وبرها كفريضة دينية لا تقبل التهاون.
ولعل أصدق توصيف لهذه النقلة النوعية هو ما عبر عنه الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين قال: “والله إنا كنا في الجاهلية لا نعد النساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل وقسم لهن ما قسم”. هذا التصريح التاريخي يختصر المسافة الشاسعة بين نظرة مادية قاصرة ترى المرأة “عدماً” اجتماعياً، وبين نظرة إلهية جعلتها شريكة في التكاليف والكرامة الإنسانية، ومنحتها ذمة مالية وحقوقاً إرثية ومكانة اجتماعية لم تسبقها إليها أي حضارة أو شريعة وضعية أخرى.
زيف الشعارات: تفكيك الدعوات الغربية المعاصرة
في العصر الحديث، تناهى إلى أسماعنا ضجيج صاخب تقوده مؤسسات ومنظمات تنادي بحقوق المرأة تحت مسميات براقة مثل “المساواة المطلقة” و”التحرر التام”. هذه الدعوات التي ترفع لواء الدفاع عن المرأة وتدعي رغبتها في تخفيف أعبائها، تطالب بمساواة ميكانيكية مع الرجل في كافة مناحي الحياة، متجاهلة الفوارق الفطرية والوظيفية التي فطر الله الناس عليها. وهنا يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه: ما هي الحقيقة الكامنة وراء هذه الشعارات؟ وما هي المكاسب الفعلية التي تجنيها المرأة من ورائها؟
إن التدقيق في هذه الدعوات يكشف عن محاولة لقولبة المرأة -سواء كانت غربية أو مسلمة- ضمن نموذج واحد مشوه، وهو ادعاء باطل يطمس الحقائق التاريخية والواقعية. فمن الخطأ الفادح اعتبار المرأة المسلمة والمرأة الغربية وحدة واحدة في الهموم والتطلعات؛ لأن لكل منهما مرجعية فكرية وعقدية تنبثق منها رؤيتها للحياة والحقوق. فالمرأة الغربية تعيش في ظل مرجعية مادية نفعية، تتخبط بين بقايا شرائع دينية محرفة وبين قوانين وضعية صاغتها عقول قاصرة غلبت عليها المادية والجفاء، مما أدى إلى تقديس “الذات” والبحث عن الإشباع اللحظي على حساب الفضيلة والأخلاق.
تباين المرجعيات: بين كمال الخالق وقصور المخلوق
إن الفرق الجوهري بين إنصاف الإسلام وإجحاف الفكر الغربي يكمن في “المرجعية”. فالمرأة المسلمة تستمد حقوقها من لدن الخالق العظيم، العادل الرحيم، الذي {خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}. الله عز وجل هو الذي خلق الإنسان، وهو الأدرى بما يصلحه وبما يتفق مع قدراته وطبيعته النفسية والجسدية. ومن هنا كان المنهج الإسلامي منهجاً قويماً يلبي حاجات الرجل والمرأة على حد سواء، ويضمن لهما حياة كريمة متوازنة لا يطغى فيها جانب على آخر.
في المقابل، نجد أن الغرب يحاول حشر المرأتين في بوتقة واحدة، مدعياً صونه لحقوق المرأة المسلمة “المغلوبة على أمرها” -حسب زعمهم- ومقارنتها بالمرأة الغربية التي يصورونها كرمز للتحرر. إن هذا الخلط ليس عفوياً، بل هو نتاج إما لجهل مطبق بعظمة التشريع الإسلامي الذي أقر حقوق المرأة قبل أربعة عشر قرناً، أو هو نتاج حقد دفين يسعى لتفكيك الأسرة المسلمة وإخراج المرأة من حصنها الحصين بدعوى الحرية المهنية والمساواة الصورية.
شهادات من الداخل: اعترافات بانهيار النموذج الغربي
ليس المسلمون وحدهم من ينتقد النموذج الغربي في التعامل مع المرأة، بل إن عقلاء الغرب أنفسهم بدأوا يرصدون آثار الانهيار الأخلاقي والاجتماعي الناتج عن خروج المرأة عن فطرتها. فها هي الدكتورة “إيد إيلين” تؤكد أن سر تزايد الجرائم والأزمات العائلية في المجتمع الأمريكي يعود إلى ترك الزوجة لبيتها من أجل مضاعفة الدخل المادي، مما أدى إلى زيادة الأموال مقابل انحدار حاد في مستوى الأخلاق والقيم. وتذهب أبعد من ذلك لتقول إن العودة إلى “الحريم” -بمعنى الخصوصية والمنزل- هي الطريق الوحيد لإنقاذ الأجيال الجديدة من التدهور.
بل إن بعض السياسيين الغربيين، ومنهم أعضاء في الكونجرس الأمريكي، صرحوا بأن خدمة المرأة الحقيقية للدولة تكمن في بقائها داخل حصن الأسرة وتربية الأجيال. هذا التناقض الصارخ بين ما يراه الغربيون حلاً لمشكلاتهم الداخلية، وبين ما يصدرونه لنا عبر المؤتمرات الدولية، يكشف النوايا المبيتة لإغراق مجتمعاتنا في مستنقع التفكك الأسري والانهيار القيمي الذي يتخبطون فيه.
ثمرات الشريعة: ملامح التكريم الإسلامي الشامل
إذا ألقينا نظرة فاحصة على مكتسبات المرأة في ظل الإسلام، سنجد منظومة متكاملة من التكريم تبدأ من أصل الخلقة وتستمر حتى الممات:
- المساواة في الكرامة الإنسانية: لقد قرر الإسلام أن المرأة والرجل فرعان من أصل واحد، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ}، وسوى بينهما في التكاليف الشرعية، وفي الثواب والعقاب، وفي الحق في الحياة وصيانة الدم والمال والعقل.
- الاستقلال المالي والعقلي: منح الإسلام المرأة حق التملك والإرث والبيع والشراء بشكل مستقل تماماً عن الرجل، وهي حقوق لم تحصل عليها المرأة الغربية إلا في العصور المتأخرة جداً. كما احترم عقلها فجعل “الشورى” شاملة لها، حيث أمر الله نبيه بمشاورة المؤمنين (رجالا ونساء) في الأمور العامة.
- القوامة تكليف لا تشريف: إن مفهوم القوامة في الإسلام ليس أداة للتسلط، بل هو مسؤولية وواجب ملقى على عاتق الرجل لرعاية المرأة وحمايتها وتوفير احتياجاتها، ليتفرغ كل طرف لمهمته الأساسية في بناء الأسرة واستقرارها.
- الحث على الإحسان: ربط النبي صلى الله عليه وسلم كمال الإيمان بحسن معاملة المرأة، فقال: “خيركم خيركم لأهله”، مما يجعل الرفق بالمرأة معياراً للفضل والتدين.
المرأة في جميع مراحلها: رحلة من الإعزاز
لقد صاغ الإسلام علاقة المجتمع بالمرأة بناءً على دورها الفطري، وجعل لها في كل مرحلة مقاماً سامياً:
1. المرأة كابنة: جعل الإسلام تربية البنات ورعايتهن سبباً لدخول الجنة والوقاية من النار، مشترطاً في ذلك حسن الأدب والتقوى، وهو رقي أخلاقي يجعل البنت نعمة كبرى يتسابق الآباء للفوز بأجرها.
2. المرأة كأم: رفع الإسلام مكانة الأم إلى عنان السماء، فجعل “الجنة عند رجليها”، وأوجب برها والإحسان إليها في آيات قرنت حق الوالدين بحق الله عز وجل. وفي هذا تباين حاد مع الثقافة الغربية التي غالباً ما تنتهي فيها رحلة الأم في دور المسنين المعزولة، بعد أن تنضب منفعتها المادية.
3. المرأة كزوجة: أسس الإسلام العلاقة الزوجية على قاعدة “المودة والرحمة” والسكينة النفسية. وحفظ للمرأة حقها المعنوي في اختيار شريك حياتها (فلا تُنكَح إلا بإذنها)، وحقها المادي في الصداق (المهر) كحق خالص لها، بعيداً عن نظرة الغرب التي تتعامل مع المرأة كسلعة تُستهلك أو شريك مالي يُطالب بنصف المصاريف تحت وطأة العمل الشاق.
نماذج من التاريخ: المرأة المسلمة شريكة البناء
لم تكن المرأة المسلمة عبر التاريخ في عزلة عن قضايا أمتها، بل كانت حاضرة بقوة في المشهد العام. فالسيرة النبوية تعج بنماذج نسائية شاركن في البيعة، وهاجرن في سبيل الله، وشاركن في الغزوات كأم عمارة التي ذادت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحد. لقد كانت المرأة المسلمة عالمة، وفقيهة، ومجاهدة، ومشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية، دون أن تفرط في عفتها أو تخسر أنوثتها وحصنها الأسري. هذه هي الصورة الحقيقية التي يحاول الغرب طمسها، ليصور المرأة المسلمة بصورة السجينة المقهورة.
خاتمة: الإسلام هو الحجة لا التطبيق الناقص
إن ما نراه اليوم من مشكلات اجتماعية أو هضم لحقوق المرأة في بعض بقاع العالم الإسلامي لا يمت إلى جوهر الإسلام بصلة، بل هو نتاج مباشر للابتعاد عن تطبيق الشريعة الغراء، أو نتيجة لتأثيرات أعراف جاهلية وتقاليد بالية تخالف صريح الدين. إن الأخطاء البشرية في التطبيق ليست حجة على كمال المنهج الإلهي، بل يظل الإسلام وشريعته هما الحجة البالغة على المسلمين وعلى البشرية جمعاء.
إن الحل لا يكمن في استيراد نماذج غربية أثبتت فشلها في عقر دارها، بل في العودة الصادقة إلى رحاب الإسلام الذي أنصف المرأة حين خذلها الجميع، وأعزها حين أذلتها الماديات، وصان كرامتها كإنسانة لها حق التكريم في الدنيا، وعظيم الأجر في الآخرة.

اترك تعليقاً