بين طبول الحرب وطاولات التفاوض: هل ينجح ترامب وعراقجي في تجنب المواجهة الكبرى؟

بين طبول الحرب وطاولات التفاوض: هل ينجح ترامب وعراقجي في تجنب المواجهة الكبرى؟

تشهد الساحة الدولية فصلاً جديداً من فصول التوتر المحموم بين طهران وواشنطن، حيث تتداخل لغة التهديد العسكري مع إشارات دبلوماسية خجولة، ما يضع المنطقة برمتها على صفيح ساخن. وفي تصريحات حاسمة أدلى بها وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، برزت ملامح الاستراتيجية الإيرانية الحالية التي تتأرجح بين الاستعداد التام للمواجهة وبين فتح أبواب الحوار الحذر.

ازدواجية الخطاب الإيراني: الجاهزية العسكرية مقابل "الخيار الحكيم"

أكد الوزير عراقجي أن بلاده وضعت كافة السيناريوهات على الطاولة، مشيراً إلى أن طهران تأمل في أن تتبنى واشنطن "خياراً حكيماً" يجنب الطرفين ويلات الصدام. وتأتي هذه التصريحات لتعكس حالة من الواقعية السياسية؛ فبينما تدرس إيران أفكاراً لعقد لقاءات مباشرة مع الجانب الأمريكي، فإنها في الوقت ذاته تحذر من مغبة تكرار التجارب العسكرية السابقة.

أبرز نقاط القوة التي لوّح بها عراقجي:

  • تطور القدرات: التأكيد على أن الجاهزية العسكرية الإيرانية اليوم تفوق بمراحل ما كانت عليه في فترات التصعيد السابقة (مثل أحداث يونيو 2025).
  • المسار المتوازي: العمل على خطين متوازيين؛ تعزيز الردع العسكري، واستكشاف المسارات الدبلوماسية.
  • التحذير من "الأطراف الثالثة": اتهام جهات إقليمية (في إشارة إلى إسرائيل) بمحاولة استدراج الولايات المتحدة إلى مستنقع الحرب لخدمة مصالحها الخاصة.

ترامب والخيارات الصعبة: حرب أم حوار؟

على المقلب الآخر، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلط الأوراق بتصريحاته التي لم تخلُ من الغموض، حيث لوّح بخياري "الحرب أو الحوار". هذا التصعيد الكلامي يأتي متزامناً مع ضغوط داخلية تعيشها إيران إثر احتجاجات شعبية، وهو ما تراه واشنطن فرصة لزيادة الضغط، بينما تراه طهران محاولة لزعزعة الاستقرار الداخلي تمهيداً لعدوان خارجي.

رؤية تحليلية: هل الحرب فرضية واقعية؟

يرى خبراء ومحللون سياسيون أن احتمالية اندلاع نزاع مسلح لم تعد مجرد تكهنات، بل أصبحت فرضية تُناقش بجدية في أروقة صنع القرار.

1. قراءة عباس أصلاني: توازن الردع والدبلوماسية

يوضح أستاذ العلاقات الدولية، عباس أصلاني، أن إيران تتعامل مع احتمال الحرب كخطر داهم، وهو ما دفعها للقيام بتحركات دبلوماسية مكثفة، منها إطلاع السفراء الأجانب على قراءتها للمشهد. ويرى أصلاني أن:

  • المواجهة العسكرية ليست أولوية لطهران، لكنها "مستعدة لها" تماماً كما هي مستعدة للتفاوض.
  • هناك تقديرات أمريكية وإسرائيلية خاطئة تحاول استغلال الاحتجاجات الداخلية لتغيير موازين القوى.
  • التاريخ أثبت أن التهديد الخارجي غالباً ما يؤدي إلى تماسك الجبهة الداخلية الإيرانية، كما حدث في "حرب الأيام الاثني عشر".

2. قراءة حسين رويوران: صمود النظام والرهانات الخاسرة

من جانبه، يعتقد المحلل السياسي حسين رويوران أن التردد الأمريكي-الإسرائيلي في شن هجوم يعود إلى إدراكهم لحجم القاعدة الجماهيرية المؤيدة للنظام في إيران. ويشير إلى أن:

  • محاولات تغيير النظام من الخارج عبر استغلال الاحتجاجات قد فشلت في تحقيق أهدافها.
  • الشارع الإيراني أثبت وجود تيار عريض يدعم الدولة، مما يفند ادعاءات المعارضة الخارجية.
  • قرار الحرب ليس بيد طهران، لكن عواقبها ستكون وخيمة على الطرف الذي سيبدأها، وهو ما يفسر حالة التردد الغربي.

الخلاصة: الطريق نحو المستقبل

يبقى السؤال القائم: هل يتجه العالم نحو انفجار عسكري في الخليج أم نحو صفقة كبرى؟ المعطيات الراهنة تشير إلى أن:

  1. خيار القوة: أثبت عدم جدواه في إحداث تغيير جذري للنظام السياسي في إيران.
  2. خيار الحوار: يظل المسار الأكثر واقعية، رغم صعوبته وتعقيد الملفات العالقة.
  3. سياسة الإملاءات: لم تعد تجدي نفعاً مع دولة طورت قدرات ردع واسعة وشبكة تحالفات معقدة.

إن المرحلة القادمة تتطلب "دبلوماسية شجاعة" تتجاوز لغة التهديدات، فالحرب إن اندلعت لن تقتصر حدودها على جغرافيا معينة، بل ستعيد رسم خارطة المصالح في الشرق الأوسط بأكمله.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *