تصعيد واشنطن: من الضغوط القصوى إلى الدعوة الصريحة للتغيير
دخلت الأزمة الإيرانية منعطفاً جديداً يتجاوز مجرد الاضطرابات الداخلية، ليتحول إلى ساحة اشتباك إرادات دولية كبرى. ففي خطوة تعكس انتقالاً جذرياً في الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بمراقبة التطورات الميدانية، بل وجه نداءً مباشراً وصريحاً للمتظاهرين الإيرانيين بضرورة تصعيد تحركاتهم. عبر منصة “تروث سوشيال”، أطلق ترمب عبارات تحمل دلالات سياسية عميقة، واصفاً المتظاهرين بـ “الوطنيين”، ومطالباً إياهم بالاستيلاء على المؤسسات الحكومية، في إشارة لا تخطئها العين نحو رغبة واشنطن في رؤية تغيير جذري في بنية النظام القائم، مدعوماً بوعود مبهمة لكنها مثيرة للجدل بأن “المساعدة في طريقها”.
هذا التحريض المباشر اقترن بإجراءات دبلوماسية عقابية، حيث أعلن ترمب تجميد كافة أشكال التواصل أو الاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين. وبرر الرئيس الأمريكي هذا الانقطاع بما وصفه بـ “القتل العبثي” الذي يمارسه النظام ضد مواطنيه، ما يضع حداً لأي مسارات تفاوضية كانت قائمة أو محتملة، ويغلق الأبواب أمام الوساطات الدولية التي كانت تحاول نزع فتيل الأزمة. إن هذا الموقف الأمريكي لا يمثل مجرد تعاطف مع حراك شعبي، بل هو إعادة صياغة لقواعد الاشتباك، حيث بات البيت الأبيض يرى في الاحتجاجات أداة استراتيجية لتحقيق أهداف سياسية تعجز العقوبات وحدها عن إنجازها.
موسكو تحذر من “سيناريو العدوان”: المخاوف من تكرار التدخلات الخارجية
في المقابل، لم تكن روسيا لتقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التصعيد الأمريكي المتسارع. فقد سارعت وزارة الخارجية الروسية إلى إصدار بيان شديد اللهجة، حمل في طياته تحذيرات مبطنة وصريحة في آن واحد. موسكو التي تنظر إلى إيران كحليف استراتيجي في توازنات الشرق الأوسط، حذرت من استغلال ما وصفته بـ “الاضطرابات المستوحاة من الخارج” كذريعة لشن عدوان عسكري. اللافت في البيان الروسي هو الإشارة إلى مخاوف من تكرار سيناريوهات عدوانية سابقة، وتنبيه القوى الدولية إلى أن أي مغامرة عسكرية في يونيو القادم ستكون لها عواقب وخيمة لا تقتصر على الداخل الإيراني فحسب، بل ستمتد لتضرب أركان الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي برمته.
القراءة الروسية للمشهد تنطلق من مبدأ رفض “تغيير الأنظمة” عبر القوة أو التدخل الخارجي، حيث ترى موسكو أن الدعم الأمريكي العلني للمحتجين ليس إلا غطاءً لعمليات أوسع قد تشمل ضربات جوية أو هجمات سيبرانية معقدة. هذا الانقسام الروسي الأمريكي يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، حيث تتحول الأزمات المحلية إلى نقاط تماس بين القوى العظمى، ما يجعل من الساحة الإيرانية مختبراً جديداً للصراع على النفوذ في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية بالغة.
الخيار العسكري والحروب السيبرانية: خيارات واشنطن المفتوحة
لم تتوقف الضغوط الأمريكية عند التصريحات السياسية، بل كشفت تقارير إعلامية مسربة عن مراجعات داخل الإدارة الأمريكية تشمل مروحة واسعة من الخيارات “الخشنة”. ترمب، الذي صرح علانية بأن العمل العسكري لا يزال مطروحاً على الطاولة، يبدو أنه يدرس بدائل تتراوح بين الهجمات السيبرانية لتعطيل البنية التحتية للنظام، والعمليات النفسية لزعزعة تماسك الأجهزة الأمنية الإيرانية، وصولاً إلى احتمال توجيه ضربات جوية تقليدية ضد أهداف استراتيجية. هذه الخيارات تهدف في مجملها إلى شل قدرة طهران على الرد، وتوفير غطاء ميداني (ولو غير مباشر) للتحركات الاحتجاجية في الشارع.
إن التلويح بالقوة العسكرية في هذا التوقيت يخدم أهدافاً متعددة؛ فهو من جهة يرفع الروح المعنوية للمعارضة في الداخل، ومن جهة أخرى يرسل رسالة تهديد واضحة للقيادة الإيرانية بأن تكلفة قمع الاحتجاجات قد تكون باهظة جداً. ومع ذلك، فإن هذا التصعيد يحمل مخاطر الانزلاق إلى مواجهة شاملة غير محسوبة النتائج، خاصة مع وجود أطراف إقليمية ودولية قد تجد نفسها مجبرة على التدخل في حال اندلاع شرارة المواجهة المباشرة.
الحرب التجارية والضغط الاقتصادي: الرسوم الجمركية كسلاح جديد
في خطوة غير مسبوقة تدمج بين السياسة الخارجية والسياسة التجارية، أشهر الرئيس ترمب سلاح الرسوم الجمركية في وجه كل من يتعامل مع إيران. فرض رسوم بنسبة 25% على السلع القادمة من الدول التي تواصل تبادلها التجاري مع طهران يمثل “عقوبات ثانوية” بنسخة أكثر عدوانية. تهدف هذه الخطوة إلى تجفيف ما تبقى من منابع العملة الصعبة لإيران، واستهداف صادراتها النفطية التي تعد عصب الاقتصاد، وذلك من خلال تخيير دول العالم بين الوصول إلى السوق الأمريكي الضخم أو مواصلة التجارة مع إيران.
هذا النوع من الضغط الاقتصادي يهدف إلى عزل إيران تماماً عن النظام المالي العالمي، وتحويلها إلى دولة “منبوذة” اقتصادياً. وبالنسبة لترمب، فإن الاقتصاد هو نقطة الضعف القاتلة للنظام الإيراني؛ فمن خلال تعميق الأزمة المعيشية، يأمل البيت الأبيض في أن يزداد الزخم الشعبي ضد الحكومة، مما يؤدي في النهاية إلى انهيارها من الداخل تحت وطأة الجوع والتضخم المفرط.
الداخل الإيراني: بين غليان “البازار” واعترافات بزشكيان الصادمة
أما في الداخل الإيراني، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً؛ فالاحتجاجات التي انطلقت من قلب “البازار” في طهران –وهو المركز التاريخي والمالي الذي طالما كان ركيزة للاستقرار– تعكس عمق الأزمة الاقتصادية. انهيار الريال الإيراني لم يعد مجرد رقم في النشرات الإخبارية، بل تحول إلى واقع مرير يهدد لقمة عيش الملايين. وامتداد هذه الاحتجاجات من العاصمة إلى المدن الأخرى يشير إلى أن حالة الاستياء تجاوزت النخب السياسية لتصل إلى القواعد الشعبية والطبقات الكادحة.
وفي تحول لافت في الخطاب الرسمي، جاءت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لتضع النقاط على الحروف. فبدلاً من اللجوء إلى السردية التقليدية التي تلقي باللوم على “المؤامرات الخارجية” و”الأعداء”، أقر بزشكيان بمسؤولية الحكومة عن الإخفاقات الاقتصادية. هذا الاعتراف، وإن كان يهدف إلى تهدئة الشارع وامتصاص الغضب، إلا أنه يعكس أيضاً حجم المأزق الذي تواجهه السلطة؛ فهي الآن أمام خيارين أحلاهما مر: إما المضي في إصلاحات اقتصادية جذرية تتطلب انفتاحاً قد يهدد ركائز النظام، أو الاستمرار في نهج المواجهة الذي قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي شامل لا يمكن التنبؤ بنهايته.
مصدر المعلومات الأساسية: TRT


اترك تعليقاً