تأصيل التزكية السلوكية: مـنـهـاج النبوة في تـهـذيـب الـنـفـوس وبـناء الأرواح

مدخل: في حقيقة التزكية ومكانتها من علوم الملة

إن قضية تزكية النفوس وإصلاح القلوب ليست مجرد فرعٍ هامشي من فروع المعرفة الإسلامية، ولا هي رياضة روحية منبتّة الصلة عن جوهر الشريعة وقواعدها الكلية؛ بل هي في حقيقتها لبّ الدين، وجوهر الرسالة، والغاية الأسمى التي بعث الله من أجلها الرسل. فالتزكية والسلوك يمثلان الجانب التطبيقي للإيمان، وهما الوعاء الذي تنصهر فيه المعارف النظرية لتتحول إلى مواقف، وأحوال، وعبادات تنبض بالحياة.

إن أي محاولة لفصل السلوك عن الشريعة، أو ادعاء وجود طريق للوصول إلى الله يخرج عن دائرة الوحي، هي محاولة محكوم عليها بالضلال والتيه. فالتزكية الحقة هي تلك التي تجري في مجرى الوحي، وتقتفي أثر النبوة، وتحتكم في كل واردة وشاردة إلى ميزان الكتاب والسنة. فلا فلاح لنفسٍ تطلب الطهارة بغير ما طهرها الله به، ولا رفعة لروحٍ تنشد القرب من خالقها بعيدًا عن الصراط المستقيم الذي خطّه الأنبياء وسار عليه الأتقياء.

التلازم العضوي بين الشريعة ومسلك التزكية

لقد توهم البعض أن “العلم” شيء و”السلوك” شيء آخر، فظنوا أن الفقيه يهتم بالظاهر فحسب، وأن السالك يهتم بالباطن بمعزل عن الأحكام الشرعية. وهذا الانفصام هو أصل كل بدعة وضلالة في باب التزكية. فالحقيقة الشرعية تؤكد أن التزكية هي ثمرة العلم العملي، وأن السلوك هو الامتثال الواعي لأوامر الله ونواهيه.

إن مسلك التزكية الصحيح هو الذي يبدأ بتعلم أصول الاعتقاد، ثم التبصر بأحكام العبادات، ثم الانتقال إلى تصفية القلب من شوائب الإرادات الفاسدة. هذا المسار المتكامل هو ما نسميه “جادة الوحي”، حيث لا يتقدم السالك خطوة إلا بنور من الوحي، ولا يقدم على عمل إلا وهو مستند إلى أصل شرعي صحيح. ومن أراد أن تثمر تزكيته صلاحًا في الدنيا وفوزًا في الآخرة، فليجعل مرجعه الأول والأخير هو ما نطق به الكتاب العزيز، وما صح عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه الصدر الأول من هذه الأمة.

أصول السلوك عند سلف الأمة وأئمة الهدى

إن معقد العروة الوثقى في باب السلوك هو ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم؛ فهم الجيل الذي نزل الوحي بين ظهرانيهم، وشاهدوا التطبيق العملي للكمال البشري في شخص النبي صلى الله عليه وسلم. لم تكن تزكيتهم طقوسًا محدثة، ولا خيالات صوفية، ولا فلسفات إشراقية، بل كانت:

  • إخلاصًا تامًا لله سبحانه وتعالى في السر والعلن.
  • متابعة دقيقة للسنة النبوية في شؤون الحياة كافة.
  • تعظيمًا لشعائر الله ووقوفًا عند حدوده.
  • توازنًا فريدًا بين عمارة الأرض وعبادة الخالق.

لقد ضل من أعرض عن هذا المنهج الواضح المستبين، وراح يفتش عن طهارة النفس في طرق مبتدعة، أو رهبانيات مخترعة، أو مسالك فلسفية لم ينزل الله بها من سلطان. إن هؤلاء الذين استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، قد أضاعوا الجوهر وتاهوا في المظهر، فما ازدادت نفوسهم إلا حيرة، وما ازدادت قلوبهم إلا بعدًا عن بصيرة الوحي.

تأصيل شيخ الإسلام لميزان الحق في العلم والعمل

لقد بلغ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الغاية في تبيان هذا الأصل العظيم، حيث وضع ميزانًا دقيقًا يفرق بين منهج النبوة وبين غيره من المناهج المحدثة. فقد قرر في (مجموع الفتاوى) أن الإصابة في الدين تدور على محورين أساسيين لا ينفكان عن بعضهما:

المحور الأول: بناء العلم (الأصول والفروع)

إن بناء الكلام في العلم، سواء كان في أصول الدين وعقائده، أو في فروعه وأحكامه الفقهية، يجب أن يقوم على أساس متين من الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السلف الصالح. فمن سلك هذا السبيل في طلب العلم ونشره، فقد أصاب طريق النبوة حقًا. فالعلم ليس مجرد ترف فكري، بل هو نور يقذفه الله في القلب ليهتدي به العبد إلى مراد ربه.

المحور الثاني: بناء الإرادة والعبادة (الأحوال والأعمال)

وهنا يكمن لبّ التزكية؛ فالإرادة (وهي محرك القلب) والعبادة (وهي عمل الجوارح) والسماع (بمعنى التأثر الروحي والوجداني) يجب أن تنضبط جميعها بميزان الإيمان والسنة والهدى النبوي. فمن بنى أحواله القلبية من حب وخوف ورجاء، وأعماله البدنية من صلاة وصيام وذكر، على ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقد تحقق بصدق التزكية وأصاب طريق النبوة.

إن هذا التقسيم الذي ذكره ابن تيمية يجمع شتات الدين كله؛ فالعلم يضبط التصورات، والعمل يصحح الإرادات، وكلاهما يجب أن يستقي من معين الوحي الصافي. وهذا هو الطريق الذي سلكه أئمة الهدى عبر العصور، حيث لم يفرقوا بين ظاهر وباطن، ولا بين حقيقة وشريعة، بل كان الجميع تحت سلطان النص النبوي.

التزكية الصادقة: النور، الميزان، والغاية

بناءً على ما تقدم، يمكننا رسم ملامح التزكية الصادقة التي دعا إليها أئمة الهدى في النقاط التالية:

1. نورها الوحي: فلا مكان فيها للظنون أو الأذواق المجردة التي لا تستند إلى نص. فالوحي هو الكشاف الذي يكشف عيوب النفس، وهو الدواء الذي يداوي أمراض القلوب.
2. ميزانها الأثر: فكل حال يَرِد على القلب، وكل عمل يُراد به القربة، يُعرض على ما كان عليه النبي وأصحابه. فما قبله الأثر قُبل، وما رده الأثر رُدّ، مهما كان بريقه أو جاذبيته.
3. غايتها الاتباع: فالمقصد الأسمى ليس الوصول إلى “كرامات” أو “كشوفات” أو “أحوال” غريبة، بل الغاية هي كمال العبودية لله من خلال كمال الاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم.

إن هذه التزكية تتميز بخلودها واستقامتها؛ فلا غلو فيها يفسد الفطرة ويؤدي إلى الشطط، ولا ابتداع فيها يضلل السالكين ويبعدهم عن حقيقة الدين. إنها سلوك يقوم على البصيرة النافذة، وسير حثيث على نهج النبوة الذي لا يزيغ عنه إلا هالك.

التحذير من المسالك المحدثة في التربية والسلوك

إن الخطورة تكمن في أولئك الذين يحاولون إيجاد بدائل عن منهج الوحي في إصلاح النفوس. فقد ظهرت عبر التاريخ، وتظهر اليوم، صور شتى من “التزكية” التي تغلف بلفظ “الروحانية” أو “تطوير الذات” بعيدًا عن التأصيل الشرعي. إن هذه المسالك، وإن احتوت على بعض الفوائد الدنيوية أو النفسية المحدودة، إلا أنها تفتقر إلى النور الإلهي والبركة النبوية.

إن الفرق بين التزكية على جادة الوحي وبين غيرها، كالفرق بين الماء الزلال الذي يحيي الأرض، وبين السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. فالتزكية النبوية تربي العبد على التواضع، والافتقار لله، وتعظيم النص، بينما المناهج المحدثة قد تورث العجب، أو الاعتماد على النفس، أو الانفلات من ربقة التكليف الشرعي بدعوى الوصول إلى الصفاء القلبي.

الخاتمة: العودة إلى نهج الأئمة

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء منهج أئمة الهدى في التزكية والسلوك. إن حاجتنا إلى تطهير قلوبنا من الأدران، ونفوسنا من الشهوات والشبهات، لا تقل عن حاجتنا إلى معرفة أحكام صلاتنا وصيامنا. ولكن هذه الحاجة يجب أن تُشبع من خلال المورد العذب: كتاب الله وسنة رسوله.

لقد وضع لنا سلفنا الصالح المعالم الواضحة، وتركوا لنا الميزان العدل؛ فمن أراد السلامة فليلزم الجادة، وليحذر من بنيات الطريق. ولنتذكر دائمًا قول شيخ الإسلام بأن إصابة طريق النبوة مرهونة ببناء العلم والعمل على الإيمان والهدى المحمدي. فهذه هي التزكية التي تثمر طمأنينة في القلب، واستقامة في السلوك، وفوزًا برضا رب العالمين.

إن السير إلى الله على بصيرة هو أعظم نعم الله على العبد، فاجعل من الوحي دليلك، ومن السنة مرشدك، ومن أئمة الهدى قدوتك، لتكون من الذين زكت نفوسهم، وطابت حياتهم، وحسن مآبهم. رحمة الله على أئمتنا الذين حفظوا لنا هذا الدين ظاهرًا وباطنًا، وجعلنا الله ممن يقتفي أثرهم ويسير على نهجهم إلى يوم الدين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *