تايوان: هل تسقط بهدوء؟ استراتيجية الصين البديلة للاستيلاء على الجزيرة

تايوان: هل تسقط بهدوء؟ استراتيجية الصين البديلة للاستيلاء على الجزيرة

مقدمة: "نموذج بيبينغ" يلوح في الأفق

في أواخر أيام الثورة الصينية، سقطت مدينة بيبينغ (بكين حاليًا) في يد جيش التحرير الشعبي دون قتال، بعد حصار طويل واستسلام القائد المحلي. هذا الحدث، الذي يُعرف اليوم في الصين بـ "نموذج بيبينغ"، قد يكون المفتاح لفهم استراتيجية بكين الحالية تجاه تايوان. فهل تسعى الصين لتكرار هذا السيناريو، وإخضاع الجزيرة دون اللجوء إلى حرب شاملة؟

الأوساط الأمريكية تركز بشكل متزايد على احتمال الغزو العسكري المباشر لتايوان، مع تقديرات زمنية محددة، مثل "نافذة ديفيدسون" التي تتوقع غزوًا برمائيًا بحلول عام 2027. لكن هل هذا هو السيناريو الوحيد المطروح على طاولة المفاوضات في بكين؟

ما وراء الغزو: استراتيجية "المنطقة الرمادية"

تشير الأدلة المتزايدة إلى أن الصين قد تتبنى استراتيجية بديلة تتجاوز الحصار العسكري التقليدي، الذي قد يُعتبر إعلان حرب. هذه الاستراتيجية، التي تُعرف بـ "عمليات المنطقة الرمادية"، تتضمن مزيجًا معقدًا من الإجراءات الأمنية والاقتصادية والسياسية والإعلامية، تهدف إلى الضغط على تايوان وتقويض إرادتها في المقاومة.

أبعاد الخطة البديلة:

  • الإكراه متعدد المجالات: فرض تدريجي لمظاهر السيادة الصينية على تايوان من خلال سياسات إكراهية.
  • المناورات العسكرية المتكررة: إجراء مناورات عسكرية بالقرب من تايوان، بما في ذلك إطلاق صواريخ في المياه المحيطة، لخلق حالة من الضغط النفسي الدائم.
  • التوغل الجوي: زيادة عمليات التوغل اليومية للطائرات المقاتلة الصينية في منطقة الدفاع الجوي التايوانية.
  • القيود الاقتصادية: فرض قيود على السفر والتبادل التجاري بين الصين وتايوان، مما يؤثر سلبًا على القطاعات الحيوية مثل السياحة والزراعة.
  • استقطاب الحلفاء الدبلوماسيين: تقديم حوافز اقتصادية للدول الصغيرة لحملها على قطع علاقاتها مع تايوان والاعتراف بجمهورية الصين الشعبية.
  • التأثير الثقافي والإعلامي: استغلال القواسم الثقافية المشتركة لنشر رسائل إيجابية حول الوحدة، وتصويرها كفرصة وليست تهديدًا.
  • تجنيد النفوذ الناعم: تجنيد سياسيين محليين ومدنيين فاعلين في تايوان من خلال الإغراءات المالية وفرص السفر والتدريب، لتغيير توجه البلاد على المدى الطويل.
  • الحرب المعلوماتية: استخدام شبكات من الحسابات الوهمية لنشر معلومات مضللة تهدف إلى تقويض الثقة بالحكومة التايوانية وتأجيج الانقسام السياسي.

الانقسام السياسي في تايوان: ثمرة التلاعب الصيني؟

ساهمت شبكة التأثير المعقدة التي تُحكمها الصين حول تايوان في إشعال انقسام سياسي حاد، يتمثل في صراع بين الرئيس لاي تشينغ دي، الذي يتبنى خطابًا استقلاليًا، والمجلس التشريعي الذي يهيمن عليه الحزب القومي، الذي يدعو إلى علاقات أقل توترًا مع بكين. هذا الانقسام يضعف تايوان من الداخل، ويقلل من قدرتها على مواجهة الضغوط الصينية.

"الحجر" بدلًا من "الحصار": تكتيكات المنطقة الرمادية

وفقًا لدراسة لمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن الصين قد تلجأ إلى تكتيكات "المنطقة الرمادية" لفرض سيطرتها على تايوان دون اللجوء إلى حرب. هذه التكتيكات تشمل:

  • فرض "حجر" بحري: استخدام خفر السواحل الصيني ووكالات الشرطة البحرية لفرض قيود على حركة الملاحة البحرية حول تايوان، مما يعطل وصول الإمدادات الحيوية.
  • اشتراط إقرارات جمركية: مطالبة السفن بتقديم إقرارات جمركية قبل الرسو في الموانئ التايوانية، وتعطيل عمليات الشحن الخاصة بالسفن التي لا تمتثل.
  • استهداف الموانئ الرئيسية: التركيز على تعطيل حركة الملاحة في ميناء كاوهسيونغ، الذي يمثل شريان الحياة للاقتصاد التايواني.

الغزو العسكري: خيار صعب ومكلف

على الرغم من تزايد الفجوة العسكرية بين الصين وتايوان، فإن الغزو العسكري يظل خيارًا صعبًا ومكلفًا بالنسبة لبكين. تايوان تمتلك قوة عسكرية كبيرة ومدربة تدريبًا جيدًا، بالإضافة إلى تضاريس وعرة تجعل عمليات الإنزال البرمائي صعبة للغاية.

الخلاصة: الصبر الصيني قد يحسم المعركة

في النهاية، قد تختار الصين الاستمرار في استراتيجيتها الصبورة وطويلة الأمد، ونسج الخيوط حول تايوان حتى تسقط في صمت ودون قتال. فهل ينجح "نموذج بيبينغ" في تايوان؟ هذا ما ستكشفه لنا السنوات القادمة.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *