تمرُّ على الأمة الإسلامية في كل عام ذكرى معجزة “الإسراء والمعراج” العظيمة، وهي ليست مجرد سرد لحدث تاريخي خارق للعادة أو رحلة عبر الزمان والمكان فحسب، بل هي في جوهرها “رسالة طمأنة” إلهية خالدة، وبلسم رباني لكل قلب أرهقته نوائب الدهر، وأثقلت كاهله أحداث الأرض الموحشة. إنها الذكرى التي تخبرنا أن عين الله لا تنام، وأن لطفه يحيط بعباده الصادقين حتى في أحلك الظروف وأصعب اللحظات. لقد جاءت هذه المعجزة في توقيت دقيق وحساس من السيرة النبوية العطرة، لترسم للمؤمنين معالم الطريق، وتضع بين أيديهم قاعدة ذهبية مفادها: أن المنع في الأرض لا يعني أبداً المنع في السماء، وأن ضيق الأسباب الأرضية وانغلاق الأبواب في وجوه المصلحين ليس إلا مقدمة ضرورية لفتح آفاق سماوية واسعة لا تخطر على قلب بشر.
الإسراء والمعراج.. بزوغ الفجر من رحم “عام الحزن”
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج حدثاً منفصلاً عن سياقه النفسي والاجتماعي الذي عاشه النبي ﷺ، بل كانت استجابة إلهية مباشرة لحالة من الاستضعاف والأسى البشري. فقد جاءت هذه الرحلة في “عام الحزن”، ذلك العام الذي تكالبت فيه الأحزان على قلب المصطفى ﷺ؛ ففقد فيه السند الداخلي بوفاة زوجته الوفية خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وفقد السند الخارجي بوفاة عمه أبي طالب، ثم تلا ذلك ما لقيه في رحلة الطائف من صدٍّ وجفاء، ودمٍ سال من قدميه الشريفتين.
في تلك اللحظة التي انغلق فيها أفق الأرض في مكة، وضاق فضاء الطائف بدعوته، جاء الأمر الإلهي برحلة الإسراء والمعراج لتكون بمثابة “جبر خاطر” نبوي من فوق سبع سماوات. إنها تخبرنا أن الله عز وجل حين يبتلي عبده، فإنه لا يتركه لهمومه، بل يهيئ له من أمره رشداً. فإذا ضاقت الأرض بما رحبت، فإن ملكوت السماوات يرحب بصبر الصابرين. إن العطاء الإلهي في ليلة الإسراء جاء ليؤكد أن المحنة هي في باطنها منحة، وأن الانكسار أمام الله هو عين القوة، وأن العبد كلما ازداد تواضعاً لله في الأرض، رفعه الله بمقامه إلى سدرة المنتهى.
مقامُ الصبر: من غبار الطائف إلى أنوار سدرة المنتهى
إن المتأمل في أحداث هذه المعجزة يدرك يقيناً أن مقام “الصبر” هو المفتاح الذي فُتحت به أبواب السماء. لم يصعد النبي ﷺ إلى سدرة المنتهى، ولم يبلغ تلك المكانة التي لم يبلغها ملك مقرب ولا نبي مرسل، إلا بعد أن اجتاز بجدارة واقتدار أعظم الابتلاءات. لقد كان الصبر على أذى قريش في مكة، والصبر على غلظة أهل الطائف وجفائهم، هو الضريبة التي سددها الجسد والروح للارتقاء في معارج القرب الإلهي.
إن هذه الرحلة تضع أمامنا قانوناً تربوياً أصيلاً: العطاءات الكبرى دائماً ما تسبقها ابتلاءات عظمى. فالابتلاء ليس عقوبة، بل هو عملية “صقل” للروح، وتنقية للسريرة، وتهيئة للنفس لكي تكون أهلاً للقاء الخالق والوقوف بين يديه. فالنفس التي لا تصمد أمام حجر في الأرض، لا يمكنها أن تطيق أنوار العرش. ومن هنا، نتعلم أن كل وجع نتحمله في سبيل الله، وكل غصة نبتلعها صبراً واحتساباً، هي في الحقيقة درجات نبنيها في معراجنا الروحي نحو رضوان الله. فلقاء الله والوصول إلى معالي الأمور يتطلب قلباً قد صهرته التجارب، وروحاً قد هذبتها المحن.
مركزية الصلاة: المعراج اليومي لكل مؤمن
من أعظم ما ميّز رحلة المعراج هو طريقة فرض “الصلاة”. فبينما نزلت جميع العبادات والفرائض عبر الوحي إلى الأرض، كانت الصلاة هي العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء العلا، مباشرة من الله إلى نبيه ﷺ بلا واسطة. وهذا التميز يحمل دلالات عميقة؛ فالصلاة ليست مجرد حركات جسدية، بل هي “دعوة يومية” متكررة لكل مؤمن ليكون له “معراجه” الخاص.
إن المؤمن حين يقف بين يدي ربه مكبراً، فإنه يخلع عن كاهله هموم الأرض، ويترك خلف ظهره ضجيج الدنيا وصراعاتها. إن السجود هو قمة المعراج؛ ففيه يكون العبد أقرب ما يكون من ربه، وفيه يلتقي تذلل العبد بعظمة الخالق. الصلاة هي الجسر الذي يربطنا بالسماء في كل يوم خمس مرات، وهي الاستراحة الروحية التي نستمد منها القوة لمواجهة تحديات الحياة. فكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل لنا نصيباً من معراج نبينا، فمنحنا الصلاة لنرتقي بأرواحنا فوق الماديات، ونستنشق عبير السكينة في رحاب القرب الإلهي، فكما كان المعراج تكريماً للنبي وجبراً لخاطره، فإن الصلاة هي تكريم للمؤمن وجبر لقلبه المكسور.
وحدة المقدسات: رباط العقيدة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى
لم يكن اختيار المسجد الأقصى ليكون محطة الإسراء قبل العروج إلى السماء حدثاً عابراً أو مصادفة مكانية، بل كان تأصيلاً إلهياً لوحدة الهوية الإسلامية التي لا تقبل التجزئة ولا التفريط. إن الربط الوثيق بين المسجد الحرام في مكة والمسجد الأقصى في القدس هو ربط عقدي وتاريخي وجغرافي، يرسخ في وجدان الأمة أن حماية هذه المقدسات هي جزء لا يتجزأ من عقيدتها.
إن هذا الربط يذكرنا بأن قضية المسجد الأقصى ليست قضية جغرافية تخص شعباً بعينه، بل هي قضية “إسراء ونبوة”. إن عيوننا وقلوبنا يجب أن تبقى دائماً معلقة بمسجدنا الأسير، فهو الأرض التي صلى فيها نبينا بالأنبياء إماماً، وهو البوابة التي فُتحت منها أبواب السماء. إن ذكرى الإسراء والمعراج تجدد فينا العهد بأن القدس هي قلب الأمة النابض، وأن الحفاظ على هويتها هو صيانة لإرث النبي ﷺ. فالمسجد الأقصى هو الجزء المتمم للمسجد الحرام في منظومة القداسة الإسلامية، ولا يكتمل إيمان المرء حتى يعتقد بقدسية هذا الربط الذي سطرته آيات الوحي وخلدته رحلة الإسراء.
مدرسة الإسراء والمعراج: دروس في بناء الأمل
إننا ونحن نستحضر هذه المعجزة، يجب ألا نكتفي بالاحتفال العاطفي، بل علينا أن نستلهم منها دروساً عملية لحياتنا المعاصرة. ففي ظل ما تعانيه الأمة اليوم من أزمات وتحديات، تبرز ليلة الإسراء كمنارة للأمل. إنها تعلمنا أن “الفرج” يولد من رحم “الضيق”، وأن رعاية الله تحف الصادقين حتى لو تخلى عنهم أهل الأرض جميعاً.
تعلمنا هذه الذكرى أن المؤمن لا يعرف اليأس؛ فاليأس انقطاع عن الله، والأمل هو ثقة بموعوده. فإذا كان النبي ﷺ قد خرج من مكة مطروداً ومن الطائف منبوذاً، ليعود إليها فاتحاً بعد أن استقبله ملكوت السماوات، فإن حال المؤمنين المتمسكين بحقهم لا بد أن ينتهي إلى تمكين ونصر. إن الإسراء والمعراج هو عيد “الأمل المتجدد”، هو إعلان صريح بأن الحق لا يموت، وأن النور لا بد أن يبدد الظلام مهما طال ليله.
الخاتمة: دعواتٌ في رحاب الذكرى
وفي ختام هذا الإبحار في أعماق معجزة الإسراء والمعراج، لا يسعنا إلا أن نتوجه بقلوبنا إلى باريها. فاللهم في هذه الليلة المباركة، وببركة هذه الذكرى العظيمة، كما أسريت بنبيك المصطفى من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكما عرجت به إلى سماواتك العلى فجبرت خاطره وطيّبت نفسه، نسألك يا ربنا أن تسري بقلوبنا من ضيق الهموم والغموم إلى سعة الفرج والسرور.
اللهم ارفع أرواحنا عن سفاسف الأمور، وارزقنا عروجاً روحياً نحو معالي الطاعات، واجعل صلاتنا معراجاً نجد فيه أنسك وقربك. اللهم اجبر خواطر المنكسرين، واشفِ صدور المؤمنين، وأعد لمسجدنا الأقصى هيبته وعزه، واجعلنا من حراسه المرابطين بالحق واليقين. اللهم كما جعلت المعراج نهاية لعام الحزن، فاجعل هذه الذكرى نهاية لأحزان أمتنا، وبداية لعصر جديد من العزة والتمكين والوحدة تحت راية نبيك الكريم.
إن رحلة الإسراء والمعراج ستظل دائماً وأبداً الشاهد الحي على أن الله مع الصابرين، وأن العاقبة للمتقين، وأن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته والصبر على بلائه، فلنتمسك بحبل الله المتين، ولنجعل من صلاتنا وإيماننا معراجاً يرفعنا إلى مراتب المتقين.

اترك تعليقاً