تجليات الحكمة الإلهية في زمهرير الشتاء: بين فقه التيسير وعبرة المصير

الحمد لله العليم الحكيم، الذي أحاط بكل شيء علماً، ووسع كل شيء رحمة وحكماً؛ فسبحانه من إلهٍ رحيمٍ بعباده، لم يرهقهم من أمرهم عسراً، ولم يضرب عليهم في تشريعاته حرجاً ولا ضيقاً، بل أنزل المعونة على قدر المؤونة، وقسم الصبر على قدر البلاء، وشرع الواجبات بما تطيقه النفوس وتستطيعه الأبدان، مصداقاً لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. نحمده سبحانه على ما هدى وشرع، ونشكره على ما أعطى ومنع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ المتفرد بالخلق والتدبير، الذي بيده آجال الخلائق وأرزاقهم، وهو القاهر فوق عباده، لو أراد لأخذهم بذنوبهم بغتة وهم لا يشعرون، كما قال عز وجل: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا} [النساء:133]. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي الرؤوف بالمؤمنين، الذي كان يعز عليه ما يرهق أمته، ويترك بعض العمل خشية أن يفرض عليهم فيشق عليهم، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه، نجوم الهدى ومصابيح الدجى، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- وأنيبوا إليه، واجعلوا من تقلب الأحوال الجوية، وما تمرون به من شدة وبرد وأزمات، مرآة تعكس عظمة الخالق ومعتبراً لما ينتظر البشر في يوم القيامة وأهواله؛ فإن شدائد الدنيا -على قسوتها- تتلاشى أمام كرب ذلك اليوم العظيم الذي ينسي المرء فيه نفسه فضلاً عن غيره، كما وصفه الرب سبحانه: {يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:35-37].

التوازن الكوني وآيات الله في تعاقب الفصول

إن المتأمل في ملكوت السماوات والأرض يدرك أن الله تعالى لم يخلق هذا الكون عبثاً، فقد استخلف الإنسان في الأرض وجعلها مستقراً له بما هيأه فيها من سبل العيش، كما قال سبحانه: {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأعراف:24]. ومنذ فجر التاريخ، والرزق الإلهي يتدفق على هذه الأرض، والابتلاءات الكونية تتوالى لتكون تذكرة أو تمحيصاً، دون أن تفني البشرية قاطبة، بل تبقى منها بقية تعمر الأرض إلى أجل مسمى.

ومن أعظم آيات الله تسخير الشمس والقمر بنظام دقيق يحفظ الحياة؛ فلو اقتربت الشمس من الأرض قليلاً لاحترق كل ما على ظهرها، ولو ابتعدت يسيراً لتجمدت الأبدان والجمادات. إن ما يشعر به الناس من ألم في وهج الصيف أو قسوة في زمهرير الشتاء هو تذكير بهذا التوازن الدقيق، فسبحان من خلق كل شيء فقدره تقديراً.

إن شدة الحر والبرد ليسا مجرد ظواهر مناخية عابرة، بل هما نَفَسَان من أنفاس جهنم -أعاذنا الله منها- جُعلا تذكرة للعباد ليعدوا للآخرة عدتها. فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اشْتَكَتْ النَّارُ إلى رَبِّهَا فقالت: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لها بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ في الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الْحَرِّ وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِيرِ».

فلسفة البرد في القرآن واللغة

بينما يمثل الحر أذىً يسهل احتماله غالباً، فإن البرد القارس يمثل بؤساً وخطراً قد يفضي إلى الهلاك؛ لذا نجد أن الإنسان يتوجس من الشتاء أكثر من غيره. وهذا المعنى اللطيف أشار إليه القرآن الكريم في سورة النحل؛ ففي مستهل السورة، حين عدد الله أصول النعم الضرورية، ذكر الدفء من الأنعام كضرورة أساسية: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمَنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل:5]. أما في أواخر السورة، فحين ذكر المتممات والكماليات، ذكر الوقاية من الحر: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل:81]. وهذا التقديم والتأخير يبرز أن الدفء أصل للحياة لا غنى عنه، بينما الوقاية من الحر كمال وزيادة نفع.

ومن بديع وصف نعيم أهل الجنة أن الله نفى عنهم كدَر الحر وقسوة البرد، ليتحقق لهم التمام والكمال، كما في قوله تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زمهريرًا} [الإنسان:13]. والزمهرير هو ذلك البرد الشديد الذي يقطع الأعضاء، وقد وصفه ابن مسعود رضي الله عنه بأنه “لون من ألوان العذاب”.

وقد أبدعت العرب في وصف الشتاء؛ فسموه “الفاضح” لأنه يكشف ستر الفقير الذي لا يملك ما يتقي به البرد، بخلاف الصيف الذي يستوي فيه الناس في القدرة على الصبر. وقيل لامرأة عربية: أيما أشد، القيظ (الحر) أم القُرُّ (البرد)؟ فقالت: “من جعل البؤس كالأذى؟”، فاعتبرت البرد بؤساً والحر مجرد أذى. كما سموا الشتاء ذكراً لقسوته، والصيف أنثى للينه. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الرعية في الشتاء بوصايا بليغة، محذراً إياهم من هذا “العدو” الذي يدخل سريعاً ويخرج بطيئاً، آمراً إياهم بالاستعداد له بالصوف والخفاف.

فقه التيسير في أحكام الشتاء

لقد تجلت رحمة الله بعباده في تشريع “رخص الشتاء” تخفيفاً عن الأمة ورفعاً للمشقة، ومن ذلك:

  • مشروعية التيمم: أباح الله التيمم عند اشتداد البرد إذا عُدمت وسيلة تسخين الماء وخشي الإنسان على نفسه الهلاك أو المرض، كما حدث مع عمرو بن العاص رضي الله عنه في إحدى الغزوات وأقره النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك، تبقى هذه الرخصة مرتبطة بالضرر المحقق أو الغالب، ولا تجوز لمجرد مشقة يسيرة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص لوفد ثقيف في ترك الطهور رغم برودة أرضهم.
  • المسح على الخفين والقفازين: من تيسير الله شرع المسح على الخفاف والجوارب بشروطه المعتبرة، كما يجوز للمصلي -ذكراً كان أو أنثى- لبس القفازين في الصلاة للتدفئة، ولا حرج في ذلك.
  • الصلاة في الرحال: إذا اشتد البرد وصاحبه مطر أو ريح تؤذي الناس في طريقهم للمساجد، شُرع للمؤذن أن يقول “ألا صلوا في الرحال”، وهي سنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لإعفاء المسلمين من مشقة قد تضر بأبدانهم.
  • اللثام وإسباغ الوضوء: يُكره تغطية الوجه في الصلاة، لكن هذه الكراهية تزول عند الحاجة لتقليل أثر الهواء البارد. كما حث الشرع على إسباغ الوضوء في المكاره (أي في شدة البرد)، مبيناً عظم الأجر في ذلك، مع التنبيه على ضرورة الحذر من تقصير غسل الأعضاء بسبب كثرة الثياب وضيق الأكمام.
  • استخدام وسائل التدفئة: لا كراهة في تسخين الماء للوضوء، بل هو مما يعين على الطاعة ويحفظ النفس، والتنزه عنه من قبيل التنطع. أما النار المستخدمة للتدفئة، فينبغي الحذر منها وإطفاؤها عند النوم كما وصى النبي صلى الله عليه وسلم لأنها قد تكون عدواً مهلكاً، كما يُكره جعل وسائل التدفئة ذات اللهب في قبلة المصلي تجنباً للتشبه بالمجوس.

الشتاء.. رسائل إيمانية ومسؤولية اجتماعية

إن موجات البرد القارس هي دلائل قاطعة على قدرة الله وجبروته، وهي في الوقت ذاته تذكير بالنعم الظاهرة والباطنة التي نرفل فيها طوال العام. إننا نتمتع بستر الله وفضله من غسالات ومسخنات وملابس، وقد ينسينا هذا الاستقرار فقرنا إلى الله واحتياجنا لرحمته، فتأتي هذه الهبات الباردة لتقرع القلوب وتذكر النفوس بضعفها.

وهنا تبرز المسؤولية الاجتماعية الكبرى تجاه الفقراء والمحتاجين. فبينما يبيت الكثير منا في دفا وراحة، هناك عائلات يسكن الصقيع بيوتها، وأطفال ترتجف أطرافهم من قلة الكساء وشح الغذاء. إن الرحمة بهؤلاء هي شكر عملي لنعمة الله، فمن لا يرحم لا يُرحم. ابحثوا عنهم في الأحياء الفقيرة، وسدوا حاجتهم من الكساء والطعام، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

ولا يفوتنا في هذا المقام أن نتذكر إخواننا المشردين في بقاع الأرض، في فلسطين المحتلة، وغزة المحاصرة، وغيرها من بلاد المسلمين الجريحة. أولئك الذين يقبعون في خيام مهترئة أو بيوت هدمها العدوان، لا يملكون وقوداً ولا طعاماً، يواجهون بصدورهم العارية قسوة الطبيعة وقسوة البشر. إن إحساسنا بآلامهم وتلهج ألسنتنا بالدعاء لهم هو مقتضى الإيمان الحقيقي، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

ختاماً، اسألوا الله العافية، واغتنموا الشتاء في الطاعات، وتذكروا أن البرد زائل وأن العمل باقٍ، فاجعلوا من هذا الفصل فرصة للتقرب إلى الله بامتثال رخصه، وإظهار الشفقة بخلقه، والاعتبار بآياته. نسأل الله أن يقينا زمهرير جهنم، وأن يلطف بإخواننا المستضعفين في كل مكان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *