مقدمة: طبيعة الابتلاء وفلسفة الثنائيات
إن المتأمل في ملكوت السماوات والأرض، والمستقرئ لآيات الذكر الحكيم، يدرك يقيناً أن هذه الحياة الدنيا لم تُخلق لتكون دار قرارٍ محض، بل هي دار ممرٍ واختبار. وقد قضت المشيئة الإلهية أن تتقلب أحوال الإنسان فيها بين سراء وضراء، ومنحة ومحنة. غير أن العظمة الإلهية تتجلى في حقيقةٍ عميقةٍ يغفل عنها الكثيرون، وهي أن (اليسر) ليس مجرد نتيجة تعقب (العسر) بالضرورة، بل هو رفيقٌ له، مكنونٌ في طياته، ومختبئٌ في جوفه. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء: 35].
المعيّة اللغوية والروحية: (مع) وليس (بعد)
حين نقف وقفة تدبرية مع سورة الشرح، نجد إعجازاً لغوياً يفتح آفاق الأمل في القلوب المنكسرة. يقول تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5-6]. لم يقل الحق سبحانه “بعد العسر”، بل قال “مع”، وهي ظرف يفيد المصاحبة والمعية. وهذا يعني أن الله سبحانه حين ينزل البلاء، فإنه ينزل معه ألطافاً خفية، ويسراً موازياً يخفف من وطأة الألم. إن اليسر يولد من رحم العسر نفسه، فكل كربٍ يحمل في جوهره بذور الفرج، وكل ضيقٍ هو في الحقيقة بوابة لاتساعٍ قادم.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: “لن يغلب عسر يسرين”؛ وذلك لأن العسر معرف بـ (ال) في الموضعين، مما يدل على أنه عسر واحد، بينما اليسر جاء منكراً، مما يدل على تعدد اليسر وتجدده. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن العطايا الربانية دائماً ما تفوق الرزايا الدنيوية.
سنن الانفراج القلبي: كيف نستجلب اليسر؟
للانتقال من حالة الضيق النفسي إلى سعة اليقين، وضع لنا القرآن الكريم والسنة النبوية خارطة طريق تتلخص في عدة سنن إيمانية:
- سنة الصبر الجميل: وهو الصبر الذي لا شكوى فيه لغير الله، حيث يوقن العبد أن تصريف الأمور بيد الخالق وحده. يقول تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف: 18].
- سنة اليقين بالفرج: إن اليقين هو المحرك الأساسي للقلب، فمن وثق بجميل صنع الله، لم يستوحش في طريق الابتلاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً” [رواه الترمذي].
- سنة الانطراح بين يدي الله: الدعاء هو العبادة، وهو الحبل المتصل بين العبد وربه حين تنقطع الأسباب الأرضية. يقول تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) [النمل: 62].
تجليات اليسر في قصص الأنبياء
لو تتبعنا قصص الأنبياء، لوجدنا أن قمة العسر كانت هي اللحظة التي انبثق منها أعظم يسر. فسيدنا يوسف عليه السلام، لم يصل إلى ملك مصر إلا عبر غياهب الجب، ثم ظلمات السجن، وكأن السجن كان هو (العسر) الذي يحمل في طياته (يسر) التمكين. وسيدنا موسى عليه السلام، حين تراءى الجمعان وقال أصحابه (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ)، رد بيقين الواثق: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 61-62]. في تلك اللحظة الحرجة، كان اليسر متمثلاً في معية الله التي شقت له البحر.
وهكذا هو شأن المؤمن دائماً؛ يرى بعين البصيرة ما لا يراه غيره بعين البصر. يرى في المرض فرصة لتكفير الخطايا، ويرى في فقد المال تدريباً على الزهد، ويرى في ضيق الدنيا اتساعاً للآخرة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” [رواه مسلم].
أسرار التدبر: اليسر النفسي والسكينة
إن اليسر لا يعني دائماً زوال المشكلة مادياً بشكل فوري، بل قد يبدأ باليسر النفسي؛ وهو أن يقذف الله في قلبك الطمأنينة والرضا بالقدر، فتواجه الجبال من الهموم بقلبٍ ثابت لا يتزعزع. هذا النوع من (اليسر القلبي) هو أعظم أنواع المنح الإلهية. يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4].
وعندما نتدبر قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: 7]، نجد أن الوعد باليسر جاء بصيغة المستقبل القريب المحقق، مما يبعث في النفس روح الرجاء ويدفع عنها شبح اليأس والقنوط.
خاتمة: نحو رؤية إيمانية متجددة
في ختام هذه الدراسة، نصل إلى نتيجة جوهرية مفادها أن العسر ليس عدواً للمؤمن، بل هو مدرسة لإعداد النفس وتزكيتها. إن تجليات اليسر في طي العسر هي رسائل ربانية تدعونا للتمسك بحبل الله، والثقة المطلقة في حكمته ورحمته. فكلما اشتد الظلام، كان ذلك إيذاناً بقرب بزوغ الفجر. فلنعش بالقرآن، ولنتدبر آياته، ولنجعل من إيماننا باليسر الخفي دافعاً للاستمرار والعطاء.
اجعل نصب عينيك دائماً أن الذي أخرج يونس من بطن الحوت، ونصر محمداً في يوم الأحزاب، هو سبحانه القادر على أن يخرجك من ضيقك إلى سعتك، ومن كربك إلى فرجك، فثق بالله ولا تعجز. (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [الزمر: 36]؟ بلى، هو كافينا وناصرنا وميسر أمورنا.

اترك تعليقاً