تداول داخلي أم مجرد صدفة؟ منصات “أسواق التوقعات” لا تهتم بالبحث عن الحقيقة

تداول داخلي أم مجرد صدفة؟ منصات “أسواق التوقعات” لا تهتم بالبحث عن الحقيقة

تنتشر الادعاءات حول رصد حالات تداول بناءً على معلومات داخلية في “أسواق التوقعات” (Prediction Markets) كالنار في الهشيم، ولكن هذه الادعاءات لا تحتاج بالضرورة إلى أن تكون حقيقية لتصبح ذات قيمة، وهو ما يفسر تقاضي المؤثرين مبالغ مالية للترويج لها. فبالنسبة لمنصات مثل Polymarket، لا يهم إذا كان المراهن خبيراً مطلعاً أم مجرد شخص محظوظ، طالما أن الضجيج يرفع من حجم التداول.

نظريات المؤامرة وقود لمنصات المراهنة

في منتصف شهر مارس الماضي، انتشرت نظريات مؤامرة تزعم استبدال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ “نسخة ذكاء اصطناعي”. ورغم غياب أي دليل ملموس، إلا أن منصة “إكس” (تويتر سابقاً) شهدت طوفاناً من المنشورات التي تروج لأسواق التوقعات حيث يراهن الناس على رحيله عن منصبه بحلول 31 مارس. لفت حساب مجهول يحمل اسم “dududududu22” الأنظار بشرائه حصصاً بقيمة 177 ألف دولار في خيار “نعم”، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان صاحبه يمتلك معلومات سرية أم أنه مجرد مراهن متهور.

هذه التحركات، رغم شفافيتها بفضل تقنيات العملات المشفرة، تظل مجهولة المصدر. وبينما كان البعض يرى في “dududududu22” مصدراً للإلهام، تراجعت قيمة حصصه إلى أقل من ألفي دولار بعد انهيار احتمالات رحيل نتنياهو، مما يثبت أن “الحكمة الجماعية” التي تروج لها هذه المنصات قد تكون في كثير من الأحيان مجرد ضجيج مدفوع الأجر.

بين التداول القانوني والمراهنة غير المشروعة

أصبح التداول بناءً على معلومات داخلية أحد أكبر المحركات في منصات مثل Polymarket ومنافستها Kalshi، اللتين شهدتا انفجاراً في حجم التداولات التي تقدر بمئات الملايين من الدولارات. وبينما يعد التداول الداخلي غير قانوني في أسواق الأسهم، فإنه يُروج له أحياناً في أسواق التوقعات كدليل على كفاءة السوق؛ حيث ارتبطت رهانات ضخمة بأحداث جيوسياسية كبرى مثل الضربات الجوية على إيران أو العمليات العسكرية الدولية.

ومع ذلك، فإن طبيعة هذه الأسواق تعتمد على تقلب الاحتمالات بناءً على العرض والطلب. وتدعي هذه المنصات أن “حكمة الجمهور” أقوى من مصادر المعلومات التقليدية، لكن الواقع يشير إلى أن الجمهور يسهل التأثير عليه عبر محتوى ممول يهدف إلى زيادة التفاعل وجذب السيولة.

نموذج العمل: الربح من “الضجيج” لا من النتيجة

تختلف أسواق التوقعات عن شركات المراهنات الرياضية التقليدية؛ فبينما تحقق المكاتب التقليدية أرباحها من خلال تحديد احتمالات دقيقة ضد المراهن، تعتمد منصات مثل Polymarket وKalshi على “حجم التداول” لجني الرسوم. وهذا يعني أن المنصة لا تهتم بمن يربح أو يخسر، بل تهتم فقط بعدد الصفقات المنفذة. ومن هنا، يصبح المحتوى “المثير” الذي يدعي كشف المطلعين أداة تسويقية مثالية لزيادة حجم النشاط على المنصة.

جيوش المؤامرة والتسويق عبر المؤثرين

قامت كل من Polymarket وKalshi بتجنيد جيوش من الحسابات على منصة “إكس” لمشاركة محتوى مضلل في كثير من الأحيان، يبدأ بكلمات رنانة مثل “عاجل” أو “خبر حصري”. هذه الحسابات، التي يرتدي أصحابها شارات رسمية كشركاء للمنصات، تروج لفكرة أن هناك مطلعين عسكريين أو سياسيين يضعون رهاناتهم، مما يدفع صغار المستثمرين لمحاكاتهم خوفاً من فوات الفرصة (FOMO).

وقد كشفت تقارير أن بعض هذه الحسابات تظاهرت بأنها تابعة لصحفيين أو نشرت معلومات كاذبة تماماً لزيادة التفاعل. وفي حالات أخرى، تم استبعاد مؤثرين من برامج الشراكة لأنهم لم يكونوا “منحازين” بما يكفي للمنصة، مما يبرز غياب الحيادية في هذا النظام البيئي الناشئ.

“الغرب المتوحش” للتمويل الرقمي

يصف الخبراء الاقتصاديون ما يحدث حالياً في أسواق التوقعات بأنه “الغرب المتوحش”. فغياب الرقابة الصارمة، خاصة في المنصات التي تعتمد على العملات المشفرة ولا تطلب بيانات الهوية (KYC)، يفتح الباب أمام التلاعب بالسوق. يمكن للمتداول التلاعب بالأسعار عبر شراء كميات ضخمة من حساب واحد لإيهام الآخرين بوجود معلومات داخلية، ثم البيع من حساب آخر وتحقيق أرباح قبل وقوع الحدث الفعلي.

في النهاية، سواء كان المراهن “المجهول” يمتلك معلومات حقيقية أو كان مجرد “بوت” تسويقي، فإن المستفيد الأكبر هو المنصة التي تتقاضى رسوماً على كل حركة. ومع تزايد الاندماج بين هذه الأسواق ووسائل الإعلام الكبرى، تظل الحقيقة ضحية ثانوية في سباق محموم نحو زيادة حجم التداول والسيطرة على الانتباه الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *