مقدمة: الوجود بين قوسين
إنَّ المتأملَ في فلسفةِ الخلقِ والاستخلافِ يجدُ أنَّ الدنيا ليستْ دارَ قرارٍ، بل هي قنطرةٌ وجسرٌ، ومرحلةٌ مؤقتةٌ وُضِعَتْ بينَ عدمَيْنِ؛ عدمِ ما قبلَ الإيجادِ، وعدمِ الفناءِ الدنيويِّ الذي يعقبُه البعثُ. ومن رحمةِ اللهِ بعبادِه أنه لم يجعلْ نهايةَ هذا العالمِ فجائيةً محضةً دونَ مقدماتٍ تنبيهيةٍ، بل جعلَ لها ما يُسمّى في الاصطلاحِ العقديِّ بـ “أشراط الساعة”. هذه الأشراطُ ليست مجردَ أحداثٍ كونيةٍ أو اجتماعيةٍ معزولةٍ، بل هي “تراتبيةُ الأفولِ”؛ نسقٌ تصاعديٌ مُحكمٌ يقودُ البشريةَ وئيداً من فضاءِ التكليفِ والاختيارِ، إلى فضاءِ الجزاءِ والاضطرارِ.
يقولُ اللهُ تبارك وتعالى في محكمِ التنزيلِ: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ۚ فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ) [محمد: 18]. إنَّ مجيئَ الأشراطِ هو إعلانٌ إلهيٌ عن اقترابِ انتهاءِ مهلةِ العملِ، وبدءِ العدِّ التنازليِّ لطيِّ سجلاتِ البشريةِ.
أولاً: مفهوم زمن التكليف وزمن الجزاء
يعيشُ الإنسانُ حالياً في زمنِ التكليفِ، وهو الزمنُ الذي تكونُ فيهِ الإرادةُ البشريةُ حرةً في الاختيارِ بينَ الإيمانِ والكفرِ، وبينَ الطاعةِ والمعصيةِ، في ظلِّ غيبٍ مستورٍ لا يُدركُ إلا بالبصيرةِ والوحيِ. أما زمنُ الجزاءِ، فهو المرحلةُ التي تنكشفُ فيها الحجبُ، وتصبحُ الحقائقُ الغيبيةُ مشاهدةً عياناً، وعندها يرتفعُ التكليفُ لانتفاءِ الغيبِ، فلا يَنفعُ نفساً إيمانُها لم تكنْ آمنتْ من قبلُ.
تُشكلُ أشراطُ الساعةِ الجسرَ الانتقاليَّ بين هذين الزمنين؛ فهي تبدأُ بعلاماتٍ صغرى تندمجُ في تفاصيلِ الحياةِ اليوميةِ، ثم تتسارعُ وتيرتُها لتصلَ إلى العلاماتِ الكبرى التي تُحدثُ خرقاً في النواميسِ الكونيةِ، مما يُعلنُ رسمياً نهايةَ عصرِ الغيبِ وبدايةَ عصرِ الشهودِ.
ثانياً: النسق التصاعدي للأشراط الصغرى (اليقظة التدريجية)
تبدأُ تراتبيةُ الأفولِ بالأشراطِ الصغرى، وهي علاماتٌ غرضُها تنبيهُ الغافلينَ وإيقاظُ القلوبِ الراقدةِ. ومن إعجازِ هذا الدينِ أنَّ أولى هذه العلاماتِ كانت مبعثَ النبيِّ ﷺ، فقد قالَ صلى اللهُ عليه وسلم: “بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ” وقَرَنَ بينَ أصبعَيْهِ السَّبَّابةِ والوُسْطَى (رواه البخاري ومسلم).
تتدرجُ هذه العلاماتُ لتشملَ تحولاتٍ أخلاقيةً واجتماعيةً، مثلَ:
- تطاولُ الحفاةِ العراةِ في البنيانِ: وهو إشارةٌ إلى انقلابِ الموازينِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ.
- تقاربُ الزمانِ: ونزعُ البركةِ منه، وتسارعُ وتيرةِ الحياةِ بشكلٍ مذهلٍ.
- ظهورُ الفتنِ وكثرةُ الهرجِ (القتل): مما يجعلُ الإنسانَ في حيرةٍ من أمرِه، يُمسي مؤمناً ويُصبحُ كافراً.
هذه المرحلةُ من النسقِ التصاعدي لا تزالُ ضمنَ دائرةِ “التكليفِ”؛ فالبابُ مفتوحٌ، والتوبةُ مقبولةٌ، لكنَّ التنبيهَ الربانيَّ يزدادُ حدةً مع كلِّ علامةٍ تتحققُ، وكأنَّ الكونُ يهمسُ لسكانِه: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ) [الأنبياء: 1].
ثالثاً: الانكسار الكوني (الأشراط الكبرى والتحول الملحمي)
حينَ تصلُ البشريةُ إلى ذروةِ الانغماسِ في المادةِ ونسيانِ المبدأِ والمعادِ، تبدأُ الأشراطُ الكبرى. هنا ينتقلُ النسقُ التصاعديُ من مجردِ ظواهرَ اجتماعيةٍ إلى اضطراباتٍ كونيةٍ وميتافيزيقيةٍ عنيفةٍ. إنها “عقدُ اللؤلؤِ” إذا انقطعَ سلكُه تتابعت حباتُه، كما وصفها النبيُّ ﷺ.
تبدأُ هذه المرحلةُ بظهورِ الدجالِ، الذي يمثلُ أعظمَ فتنةٍ في تاريخِ البشريةِ، ثم نزولِ عيسى ابنِ مريمَ عليهِ السلامُ ليضعَ الجزيةَ ويقتلَ الخنزيرَ ويحكمَ بشريعةِ الإسلامِ، ثم خروجِ يأجوجَ ومأجوجَ. هذه الأحداثُ ليست مجردَ وقائعَ تاريخيةٍ قادمةٍ، بل هي تفكيكٌ لنظامِ الدنيا القديمِ تمهيداً لبناءِ عالمٍ جديدٍ.
في هذه المرحلةِ، يبدأُ “زمنُ التكليفِ” في التآكلِ. فالآياتُ تصبحُ من الجلاءِ بحيث لا يبقى للشكِّ مكانٌ، ومع ذلك يظلُّ بابُ التوبةِ مفتوحاً حتى اللحظةِ الفاصلةِ في هذا النسقِ الانتقاليِّ.
رابعاً: اللحظة الفاصلة.. حين يغلقُ باب التوبة
تصلُ تراتبيةُ الأفولِ إلى نقطةِ اللاعودةِ عندَ طلوعِ الشمسِ من مغربِها. هنا، ينتهي زمنُ التكليفِ تماماً، ويُختمُ على السجلاتِ. يقولُ النبيُّ ﷺ: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أجْمَعُونَ، فَذاكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا” (رواه البخاري).
هذا الحدثُ هو الإعلانُ الكونيُّ عن نهايةِ “الاختبارِ”. إنَّ الشمسَ التي كانت آيةً على قدرةِ اللهِ ونعمتِه في زمنِ التكليفِ، تصبحُ في لحظةِ الأفولِ آيةً على قهرِه وسلطانِه في زمنِ الجزاءِ. إنَّ انتقالَ حركةِ الشمسِ من المشرقِ إلى المغربِ هو تجسيدٌ فيزيائيٌ لانقلابِ حالِ الوجودِ من “الإمهالِ” إلى “الاستئصالِ” ومن “العملِ” إلى “الحسابِ”.
خامساً: البعد الروحاني للاستعداد
إنَّ دراسةَ أشراطِ الساعةِ لا ينبغي أن تكونَ من قبيلِ الترفِ الفكريِّ أو تتبعِ الغرائبِ، بل هي وسيلةٌ لتعميقِ اليقينِ. إنَّ المؤمنَ الحذقَ هو الذي يرى في هذه الأشراطِ رحمةً إلهيةً تذكرُه دوماً بقربِ اللقاءِ.
عندما سألَ رجلٌ النبيَّ ﷺ: متى الساعةُ؟ لم يُجبهُ النبيُّ بتحديدِ وقتِها، بل سألهُ السؤالَ الأهمَّ: “ماذا أعددتَ لها؟”. هذا هو الجوهرُ؛ فالأشراطُ هي علاماتُ طريقٍ تنبهُ المسافرَ إلى اقترابِ المحطةِ النهائيةِ، والموفقُ هو من زادَ في سرعةِ سيرةِ نحو اللهِ كلما رأى علامةً من علاماتِ النهايةِ تلوحُ في الأفقِ.
خاتمة: من الضيق إلى السعة
إنَّ نهايةَ العالمِ ليست فناءً محضاً، بل هي مخاضٌ لولادةِ عالمٍ أعدلَ وأبقى. تراتبيةُ الأفولِ التي تبدأُ بتغيرِ أخلاقِ الناسِ وتنتهي بانشقاقِ السماءِ وانكدارِ النجومِ، هي في الحقيقةِ تخلصٌ من ضيقِ الدنيا الفانيةِ للدخولِ في سعةِ الآخرةِ الباقيةِ.
لنتذكرْ دائماً قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [الانشقاق: 6]. فالعبرةُ ليست في متى تشرقُ الشمسُ من مغربِها، بل في حالِ قلبِك حينَ تشرقُ؛ هل هو قلبٌ سليمٌ مطمئنٌ بذكرِ اللهِ، أم هو قلبٌ غافلٌ فاجأهُ الأفولُ وهو في غمرةِ اللاهين؟
اللهم اجعلنا ممن يستعدون للقائك، ولا تجعلنا من الغافلين عن آياتك، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

اترك تعليقاً