تستعد إسطنبول لاستضافة جولة جديدة من المحادثات المباشرة بين روسيا وأوكرانيا، في خطوة تأتي بعد إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن استعداده لاستئناف التفاوض "دون شروط مسبقة" على الأراضي التركية. هذه المبادرة، التي لقيت ترحيبًا سريعًا من أنقرة ودعمًا متزايدًا من الغرب، تثير التساؤلات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في إنهاء الصراع الدائر.
تركيا: وسيط بين الشرق والغرب
يؤكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على امتلاك بلاده "الإرادة" لاستئناف الحوار المباشر بين موسكو وكييف، معربًا عن استعداد أنقرة لتقديم "كل أشكال الدعم" لضمان تقدمه. وتأتي هذه الجهود في ظل رؤية تركية تعتبر أن "الطرفين وصلا إلى الحد الأقصى مما يمكن تحقيقه عسكريا"، وأن اللحظة الحالية تمثل فرصة للانتقال نحو حوار مسؤول بشأن وقف النار، كما صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
دوافع الوساطة التركية
تقف وراء التحرك التركي حسابات أمنية وإستراتيجية واضحة، منها:
- أمن البحر الأسود: يخدم وقف الحرب أمن البحر الأسود ويقلل من المخاطر التي تهدد طرق التجارة والطاقة الحيوية لأنقرة.
- الاقتصاد التركي: يحد من التأثيرات السلبية للنزاع على الاقتصاد التركي.
- مكانة تركيا الدولية: تسعى تركيا إلى ترسيخ موقعها كفاعل دولي مستقل ومؤثر في التوازنات الأوروبية.
وبينما تحافظ أنقرة على شراكتها داخل حلف الناتو، فإنها تُبقي قنوات التواصل مفتوحة مع موسكو، وتمتنع عن الانخراط الكامل في نظام العقوبات الغربية، في خطوة تهدف للحفاظ على مصالحها الاقتصادية دون التفريط بمبادئها تجاه وحدة الأراضي الأوكرانية.
اختبار لمفهوم الأمن الجماعي
يرى المحللون أن الوساطة التركية تمثل محاولة لإعادة ترسيخ موقع البلاد كقوة دبلوماسية مستقلة وفاعلة على مستوى النظام الدولي. فالحرب في أوكرانيا شكلت اختبارا حقيقيا لمفهوم الأمن الجماعي داخل أوروبا، وخلقت فراغا سياسيا ودبلوماسيا أتاح لتركيا أن تطرح نفسها كبديل موثوق، خصوصا في ظل التردد الغربي وارتباك الناتو في المراحل الأولى من النزاع.
سوابق الوساطة التركية
ليست هذه المرة الأولى التي تقود فيها تركيا مبادرة بين الطرفين. فقد سبق لأنقرة أن رعت جولات تفاوض مباشرة بين موسكو وكييف في أنطاليا وإسطنبول خلال مارس/آذار 2022، كما لعبت دورا محوريا في إنجاز "اتفاق الحبوب" التاريخي في يوليو/تموز من العام ذاته، والذي مكّن أوكرانيا من تصدير الحبوب عبر البحر الأسود رغم الحرب. إضافة إلى ذلك، توسطت أنقرة في عمليات تبادل أسرى معقدة بين الطرفين.
عوامل النجاح والتحديات
تعتمد فرص نجاح الوساطة التركية في النزاع الروسي الأوكراني على جملة من العوامل، منها:
- الثقة النسبية: تحظى تركيا بثقة نسبية لدى موسكو وكييف، إذ ينظر إليها كثير من الأوكرانيين والروس كوسيط موثوق قادر على الدفع نحو تسوية متوازنة.
- الدعم الإقليمي والدولي: حشدت أنقرة دعما من واشنطن والعواصم الأوروبية، مما أضفى على المبادرة ثقلا سياسيا إضافيا.
آراء الخبراء
يؤكد الأكاديميون والمحللون السياسيون على أن تركيا تتمتع بمكانة فريدة تتيح لها التحدث بصدق وودية مع كل من روسيا وأوكرانيا، وهو ما يجعلها دولة تحظى بثقة الجانبين في وقت واحد. ويعتبرون أن إقامة مفاوضات بين طرفين متحاربين على أساس الثقة المتبادلة أمر نادر في عالم الدبلوماسية، وأن تركيا نجحت في تعزيز هذه الثقة لدى الطرفين، مما يجعل استئناف اللقاءات على أراضيها تطورا مهما.
الدعم الغربي والتحذيرات
حظيت المبادرة التركية بتأييد واسع من جانب القوى الغربية، في مقدمتها الولايات المتحدة، كما حذر قادة الاتحاد الأوروبي من "عقوبات ضخمة" قد تُفرض على روسيا إذا رفضت وقف إطلاق نار مدته 30 يوما. من جهته، جدد حلف شمال الأطلسي (ناتو) تأكيده دعم أوكرانيا، مشيرا إلى أن التوصل إلى هدنة شاملة يمثل أولوية ملحة لضمان الاستقرار الإقليمي.
وفي موقف داعم لكنه حذر، رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالمبادرة التركية، لكنه نبه إلى أن استمرار الخلافات حول جدول أعمال المفاوضات قد يُفرغ المسار من مضمونه ويقوّض فرص نجاحه.
هل ستنجح تركيا في تحقيق اختراق حقيقي في هذا الصراع المعقد؟ الأيام القادمة ستكشف ذلك.


اترك تعليقاً