عادت أجواء التوتر لتخيم من جديد على الحدود المشتركة بين كمبوديا وتايلاند، بعد أن وجهت بنوم بنه اتهامات رسمية لجارتها بـ "ضم" قرية حدودية متنازع عليها. يأتي هذا التصعيد المفاجئ بعد أسبوع واحد فقط من اتفاق هدنة كان من المفترض أن ينهي جولة دامية من المواجهات العسكرية التي اندلعت العام الماضي.
تفاصيل الأزمة: اتهامات بفرض الأمر الواقع
أعلن وزير الإعلام الكمبودي، نيث فيكترا، أن القوات التايلاندية بدأت ما وصفه بـ "الضم غير القانوني" لأراضٍ كمبودية، وتحديداً في منطقة "تشوك شي". ووفقاً للرواية الكمبودية، فإن التحركات التايلاندية شملت إجراءات ميدانية لترسيخ السيطرة، منها:
- إقامة عوائق مادية: وضع أسلاك شائكة وحاويات شحن ضخمة لتكون بمثابة "جدار حدودي" فاصل.
- تدمير المنشآت: إلحاق أضرار بمبانٍ مدنية تابعة للجانب الكمبودي.
- رفع العلم: رفع العلم التايلاندي فوق المنطقة المتنازع عليها كإشارة رمزية لفرض السيادة بالقوة.
وشددت السلطات الكمبودية على أنها لن تعترف بأي تغييرات جغرافية أو حدودية يتم فرضها عبر استخدام القوة العسكرية، معتبرة ذلك خرقاً صريحاً للتفاهمات السابقة.
الموقف التايلاندي: استعادة سيادة أم احتلال؟
في المقابل، جاء الرد من بانكوك مغايراً تماماً؛ حيث أصدر الجيش التايلاندي بياناً فند فيه اتهامات بنوم بنه. وأكد الجيش التايلاندي أن تحركاته لا تعدو كونها "استعادة لمناطق تابعة للسيادة التايلاندية" كانت تحتلها القوات والمدنيون الكمبوديون بشكل غير قانوني.
وأوضح البيان التايلاندي النقاط التالية:
- نفي استخدام القوة العسكرية لانتزاع أراضٍ جديدة.
- تأكيد أن المواقع المعنية كانت تضم تجمعات مدنية وعسكرية كمبودية داخل العمق التايلاندي.
- اعتبار الوجود الكمبودي في تلك المنطقة "تعدياً" قديماً وجبت معالجته.
خلفية النزاع: جرح تاريخي لم يندمل
تعود جذور هذا الصراع الحدودي إلى حقبة الاستعمار، حيث تسبب ترسيم الحدود الذي يمتد لمسافة 800 كيلومتر في تداخلات جغرافية معقدة. ويطالب كلا الطرفين بالسيادة على مساحات شاسعة ومعابد تاريخية تعود لقرون مضت.
محطات هامة في الصراع الأخير:
- ديسمبر الماضي: شهدت المنطقة مواجهات عنيفة أدت لمقتل العشرات ونزوح أكثر من مليون شخص من الجانبين.
- 27 ديسمبر: اتفق البلدان على هدنة شاملة وتجميد حركة القوات لإنهاء ثلاثة أسابيع من القتال.
- قرية تشوك شي: كانت هذه القرية موطناً لنحو 3 آلاف كمبودي قبل اندلاع القتال الأخير، وتعود جذور الاستيطان فيها إلى ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب الأهلية الكمبودية.
التداعيات الإنسانية والجغرافية
تظهر الخرائط التي قدمتها وزارة الإعلام الكمبودية توغلاً عسكرياً تايلاندياً بعمق يصل إلى 750 متراً داخل الأراضي التي تطالب بها كمبوديا. هذا التحرك أدى إلى تفاقم معاناة سكان قرية "تشوك شي" الذين نزحوا بالفعل بسبب معارك الشهر الماضي، ليجدوا أنفسهم الآن وسط صراع سيادي قد يمنعهم من العودة إلى ديارهم قريباً.
يبقى الوضع على الحدود بين القوتين في جنوب شرق آسيا مرشحاً لمزيد من التصعيد، في ظل غياب آلية دولية حاسمة لترسيم الحدود وإنهاء النزاع التاريخي الذي يطل برأسه مع كل تحرك عسكري ميداني.


اترك تعليقاً