تصاعد جرائم قتل النساء في مصر: النفقة تتحول إلى دافع للجريمة وثغرات القانون تثير الجدل

تصاعد جرائم قتل النساء في مصر: النفقة تتحول إلى دافع للجريمة وثغرات القانون تثير الجدل

في قلب حي كرموز العريق بالإسكندرية، تتجسد مأساة إنسانية تعكس واقعاً مؤلماً يتكرر في أزقة وشوارع مصرية مختلفة. تجلس السيدة حليمة، المتشحة بالسواد، محاطة بحفيدتيها اللتين لم تتجاوزا العاشرة من عمرهما، تروي بمرارة تفاصيل الليلة التي فقدت فيها ابنتها الكبرى ‘رضا’ طعناً بالسكين على يد زوجها، في جريمة هزت الرأي العام وأعادت تسليط الضوء على ظاهرة تصاعد جرائم قتل النساء في مصر.

النفقة.. فتيل يشعل العنف الأسري القاتل

لم تكن جريمة قتل ‘رضا’ مجرد انفجار لحظي للغضب، بل كانت تتويجاً لمسار طويل من النزاعات القضائية والمادية. تشير شهادة العائلة إلى أن الزوج لم يتقبل حكماً قضائياً يلزمه بدفع النفقة، وهو ما دفعه لاقتحام منزل الضحية وارتكاب الجريمة أمام أعين والدتها وأطفاله. تقول حليمة بأسى: ‘كان يريد طردها من المنزل الذي ساهمت في دفع نصف ثمنه، وكل ذلك بسبب النفقة؛ لم يرغب في تحمل المسؤولية رغم أنها كانت تنفق عليه وعلى بناته’.

هذه الحادثة تسلط الضوء على نمط متكرر في قضايا العنف ضد المرأة، حيث تتحول المطالبة بالحقوق المادية والقانونية إلى تهديد مباشر للحياة. ورغم صدور حكم بإعدام الجاني من محكمة جنايات الإسكندرية في يناير الجاري، إلا أن عائلة الضحية لا تزال تعاني من آثار نفسية واجتماعية لا تندمل.

أرقام صادمة: قراءة في تقرير ‘إدراك’ لعام 2025

تشير البيانات الصادرة عن مؤسسة ‘إدراك للتنمية والمساواة’ إلى منحنى تصاعدي مقلق؛ فخلال النصف الأول من عام 2025 وحده، تم توثيق 120 جريمة قتل لنساء على يد أفراد من العائلة أو شركاء حاليين وسابقين. هذا الرقم يأتي استكمالاً لعام 2024 الذي شهد 261 جريمة مماثلة، مما يعكس تفاقم الظاهرة بشكل يستدعي تدخلاً عاجلاً.

وتوضح شيماء فكري، مديرة وحدة الرصد في المؤسسة، أن هذه الجرائم نادراً ما تكون ‘وليدة الصدفة’. ففي أغلب الحالات، يسبق القتل تاريخ حافل بالضرب والمطاردة والتهديد، حيث يمثل العنف المنزلي الأرضية الخصبة التي تنمو فيها هذه الجرائم البشعة.

الثغرات القانونية والعوائق المجتمعية

يرى خبراء قانونيون أن المنظومة التشغيلية الحالية تعاني من فجوات تمنح الجناة أحياناً ممرات للإفلات من العقوبة المغلظة أو التمادي في العنف. المحامية بالنقض مها أبو بكر تؤكد أن البلاغات المتعلقة بالعنف المنزلي غالباً ما تُعامل كـ ‘إثبات حالة’ فقط، دون اتخاذ تدابير حمائية فورية تمنع وقوع الكارثة.

إلى جانب القصور التشريعي، تلعب الثقافة المجتمعية دوراً سلبياً؛ حيث يواجه لجوء المرأة للقانون بضغوط اجتماعية تعتبره ‘فضيحة عائلية’. هذا المناخ يدفع العديد من النساء للصمت خوفاً من اللوم أو الانتقام، مما يجعلهن رهائن في دورة عنف تنتهي أحياناً بالقتل.

الوضع الاقتصادي: ضغوط إضافية على الحلقة الأضعف

يربط أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق بين تدهور الوضع الاقتصادي وتصاعد وتيرة العنف داخل البيوت المصرية. فمع تزايد الضغوط المالية، يتصاعد التوتر الأسري، وتتحول النساء اللاتي يعلن أكثر من 30% من الأسر المصرية (وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) إلى الضحية الأولى لهذا الاحتقان في ظل غياب قوانين رادعة.

مطالبات بقانون موحد لمناهضة العنف

في مواجهة هذا الواقع، تتعالى أصوات داخل البرلمان المصري للمطالبة بضرورة إقرار ‘قانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة’. النائبة مها عبد الناصر أكدت أن هذا القانون يهدف إلى وضع تعريفات واضحة للعنف الأسري وتوفير آليات حماية حقيقية للناجيات، بدلاً من الاعتماد على مواد في قانون العقوبات قد تمنح القضاة سلطة تقديرية لتخفيف العقوبة في الجرائم التي تقع داخل نطاق الأسرة.

بينما تبقى مسودة القانون قيد الانتظار، تستمر صرخات النساء في مصر للمطالبة ببيئة آمنة تضمن لهن الحياة الكريمة دون خوف من انتقام يطال حياتهن لمجرد المطالبة بحقوقهن الأساسية.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *