تعيش مدينة حلب السورية على وقع تصعيد عسكري هو الأعنف منذ فترة، حيث اندلعت مواجهات ضارية بين وحدات الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). تركزت هذه الاشتباكات بشكل مكثف في حيي الأشرفية والشيخ مقصود، قبل أن تمتد نيرانها لتطال مساحات واسعة من أحياء المدينة، مخلفةً وراءها مشهداً ميدانياً معقداً وتداعيات إنسانية متفاقمة.
بداية الشرارة: من التحذيرات إلى المواجهة المباشرة
انطلقت شرارة الأحداث باستهدافات موجهة طالت مواقع عسكرية داخل حيي الأشرفية والشيخ مقصود. وفي خطوة استباقية، أعلنت الحكومة السورية عن فتح معابر إنسانية تهدف إلى تأمين خروج المدنيين من مناطق النزاع، بالتزامن مع نشر وزارة الدفاع السورية خرائط تفصيلية تحدد بنك الأهداف العسكرية، محذرةً السكان من الاقتراب من تلك المواقع لضمان سلامتهم.
التصعيد العسكري: قصف مكثف ومواقع استراتيجية
تطورت العمليات العسكرية سريعاً، حيث شنت القوات الحكومية موجة من القصف العنيف باستخدام الأسلحة الثقيلة، شملت:
- مواقع تابعة لـ "قسد" في عمق حيي الأشرفية والشيخ مقصود.
- منطقة الشقيف الصناعية والمناطق المتاخمة لها.
- حي بني زيد والمرتفعات المطلة على طريق الكاستيلو الحيوي.
وتكمن خطورة الموقف في إشراف قوات "قسد" على تلال مرتفعة تمنحها ميزة عسكرية لرصد واستهداف حركة المرور على طريق الكاستيلو، الذي يعد الشريان الرئيسي الذي يربط حلب بريفها الشمالي وصولاً إلى الحدود التركية.
ردود الفعل الميدانية وحصيلة الضحايا
لم يتأخر رد "قسد" على القصف الحكومي، حيث استهدفت قذائفها الأحياء السكنية المجاورة ومنها أحياء في غرب حلب مثل حي الشهباء، ومنطقتي الرازي والجامعة. وبحسب آخر البيانات الميدانية، فقد أدى هذا القصف المتبادل إلى:
- سقوط 7 قتلى وأكثر من 50 مصاباً بين المدنيين.
- تضرر مرافق خدمية وحكومية ومستشفيات.
- إصابة منشآت تابعة لجامعة حلب.
الجذور السياسية والعسكرية للصراع
تتباين الروايات حول أسباب هذا الانفجار العسكري:
- الرواية الرسمية السورية: تؤكد أن العمليات تأتي رداً على تنصل "قسد" من اتفاقيات سابقة تقضي بانسحاب مقاتليها من الأحياء السكنية ودمج عناصرها ضمن قوات الأمن الداخلي.
- رواية قوات سوريا الديمقراطية: تتهم الحكومة السورية ببدء الهجوم غير المبرر، مشيرةً إلى وقوع إصابات في صفوف مقاتليها نتيجة القصف العنيف.
الشلل المروري وتوقف شريان "الكاستيلو"
أدت حدة الاشتباكات، التي استُخدمت فيها الرشاشات الثقيلة والأسلحة المتوسطة، إلى حالة من الشلل شبه التام في حركة التنقل داخل حلب. وقد أُعلن رسمياً عن انقطاع طريق الكاستيلو من جهة دوار الليرمون والشيحان، مما عزز من عزلة المدينة عن ريفها الشمالي، وهو سيناريو تكرر مراراً خلال العام الماضي نتيجة الحساسية العسكرية لهذه المنطقة.
الأهمية الجيوسياسية لحيي الشيخ مقصود والأشرفية
تُعتبر هذه المناطق "بيضة القبان" في ميزان القوى داخل حلب، نظراً لموقعها الجغرافي فوق تلال مشرفة تكشف معظم أحياء المدينة. وتسعى القوات الحكومية من خلال هذه العملية إلى حسم الملف الأمني في هذه الجيوب، وإنهاء التهديدات التي يشكلها القناصة المتمركزون في المرتفعات، والذين طالما استهدفوا المدنيين في الشوارع المحيطة.
يبقى الوضع في حلب مرشحاً لمزيد من التصعيد في ظل غياب أي أفق للتهدئة الفورية، ومع استمرار الحشد العسكري من كلا الطرفين في واحدة من أكثر جبهات الشمال السوري تعقيداً.


اترك تعليقاً