مقدمة: مشهدية اليقين فوق خشبة الصلب
حين نتحدث عن الصحابي الجليل خبيب بن عدي -رضي الله عنه- فنحن لا نسرد مجرد واقعة تاريخية جرت أحداثها في التنعيم، بل نحن بصدد قراءة نصٍ وجودي عميق يتجاوز حدود الجسد والمادة. إنها تجربة “اليقين المصلوب”، حيث يتحول الألم إلى معراج، والصلب إلى منصة للشهادة على صدق المحبة. إن تليولوجيا (غائية) هذا المشهد تكمن في كونه لم يكن مجرد نهاية لحياة بشرية، بل كان تأسيساً لميكانيكا روحية فريدة، تُرجمت في شكل استبسالٍ لا يعرف الوهن، وفناءٍ كاملٍ في ذات المحبوب -صلى الله عليه وسلم-.
أولاً: ميكانيكا الاستبسال الروحي وديناميكية الثبات
إن الاستبسال الروحي الذي أبداه خبيب بن عدي لم يكن نتاج لحظة عاطفية عابرة، بل كان ثمرة لمنظومة إيمانية متكاملة. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23]. هذه الآية تصف الحالة الديناميكية لقلب خبيب؛ حيث تحول “الصدق” إلى طاقة دافعة تُلغي غريزة البقاء لصالح بقاء المبدأ.
تتجلى ميكانيكا هذا الاستبسال في قدرة الروح على الانفصال عن معاناة الجسد. فبينما كانت الرماح تنهش جسده، كان قلبه يحلق في آفاق الملكوت. إنها الحالة التي يصفها العلماء بأنها “طمأنينة اليقين”، حيث يرى المؤمن ثواب الله في عين بصره، فتصغر الدنيا وما فيها. لقد استطاع خبيب أن يحول مشهد الإعدام من لحظة انكسار إلى لحظة انتصار روحي، مؤكداً أن الجسد قد يُصلب، لكن الروح الحرة لا تُقيد.
ثانياً: فقه الركعتين.. صلاة الوداع وصناعة السنة
من أعظم تجليات الوعي الروحي لدى خبيب بن عدي هو طلبه الصلاة قبل تنفيذ القتل. لقد أسس خبيب سُنّة ذبّ عنها التاريخ، وهي الصلاة عند القتل صبراً. هذه الصلاة لم تكن مجرد طقس، بل كانت عملية “اتصال نهائي” بالمصدر قبل الرحيل. في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (فكان خبيب هو أول من سن الركعتين عند القتل لكل مسلم قتل صبراً).
- التركيز والسرعة: قال خبيب: “لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت”. هنا تظهر ميكانيكا الضبط الروحي؛ هو يريد الصلاة ليرتوي، لكنه لا يريد أن يمنح العدو فرصة للاعتقاد بأنه يخاف الموت.
- التعلق بالحق: كانت هاتان الركعتان بمثابة إعلان التمرد الروحي على الواقع المادي؛ ففي اللحظة التي يُراد فيها إذلاله، يختار هو الوقوف بين يدي ملك الملوك.
ثالثاً: تجليات الفناء في الحب النبوي
نصل هنا إلى ذروة التليولوجيا في موقف خبيب، وهي لحظة “الفناء” في الحب النبوي. عندما سأله أبو سفيان وهو على خشبة الصلب: “أتحب أن محمداً الآن مكانك، تضرب عنقه، وأنك في أهلك؟”. فجاء الرد الذي يزلزل الوجدان: “والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي”.
إن هذا التصريح ليس مجرد شجاعة، بل هو تعبير عن حالة من الفناء (Annihilation) حيث يغيب “الأنا” ويحضر “المحبوب”. لقد تماهى خبيب مع وجود النبي -صلى الله عليه وسلم- لدرجة أن شوكة تصيب المصطفى كانت أشد عليه من الرماح التي تمزق أحشاءه. هذا هو الحب الذي وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) [رواه البخاري]. خبيب بن عدي قدم النموذج التطبيقي لهذا الحديث في أعلى صوره الإنسانية.
رابعاً: اليقين المصلوب وجماليات الشهادة
لم يكن خبيب يرى الخشبة التي صُلب عليها كأداة للموت، بل كان يراها جسراً للعبور. ويتجلى ذلك في شعره الخالد الذي أنشده في تلك اللحظات العصيبة:
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا … عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
هنا تظهر جماليات اليقين؛ فهو لا يبالي بكيفية الموت ولا بمكانه، ما دام الغرض هو الله. إن تعبير “أوصال شلو ممزع” يوحي بإدراك تام للمصير المادي، لكنه يقرنه بالبركة الإلهية. هذه الرؤية التفاؤلية وسط المحنة تعكس عمق التوكل، مصداقاً لقوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آل عمران: 173].
خامساً: الدروس المستفادة والرسالة المعاصرة
إن دراسة موقف خبيب بن عدي تمنح المسلم المعاصر أدوات لمواجهة “العدمية” و”القلق الوجودي”. فميكانيكا الاستبسال التي اعتمدها تقوم على ثلاثة أركان:
- وضوح الغاية (Teleology): أن الموت ليس عدماً بل انتقال إلى كمال الحياة.
- التعلق بالقدوة: أن الارتباط القلبي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- هو صمام الأمان أمام الانهيار النفسي.
- سمو الروح على الجسد: أن كرامة المؤمن تكمن في ثباته على مبدئه لا في سلامة بدنه.
خاتمة: عبق الشهادة الخالد
في ختام هذه القراءة لرحلة خبيب بن عدي نحو الملكوت، ندرك أن “اليقين المصلوب” لم يمت بموت خبيب. بل إن دماءه التي روت أرض التنعيم أنبتت جيلاً من العظماء الذين فهموا أن الحياة الحقيقية تبدأ حين يتحرر الإنسان من خوفه. لقد كان خبيب درساً بليغاً في أن الفناء في الحب النبوي هو قمة البقاء، وأن الاستبسال في سبيل الله هو أرقى أشكال الوجود الإنساني. رحم الله خبيباً، فقد علمنا كيف نبتسم للموت حين يكون الموت هو الطريق الوحيد للقاء الله ورسوله، محققاً قول الله تعالى: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ) [آل عمران: 170].

اترك تعليقاً