تمدد “السوق السوداء” في قطاع غزة: الوجه الآخر للأزمة الإنسانية وتفكك الهياكل الاقتصادية

تمدد “السوق السوداء” في قطاع غزة: الوجه الآخر للأزمة الإنسانية وتفكك الهياكل الاقتصادية

السياق الراهن: غزة بين مطرقة الحصار وسندان الندرة

يشهد قطاع غزة تحولات اقتصادية واجتماعية قاسية في ظل استمرار تشديد السياسات الإغلاقية وندرة دخول المساعدات الإنسانية عبر المعابر الرسمية. هذا الوضع أدى إلى انهيار شبه كامل للهياكل الاقتصادية التقليدية، مما مهد الطريق لظهور “اقتصاد الظل” أو السوق السوداء كبديل قسري لتلبية احتياجات السكان الأساسية، في ظل عجز القطاع الرسمي عن القيام بمهامه نتيجة الاستهداف المباشر للبنية التحتية التجارية والخدمية.

تفاصيل الأزمة: السلع الأساسية في قبضة المضاربات

تشير التقارير الميدانية إلى أن ندرة السلع الضرورية، بما في ذلك المستلزمات الطبية للجرحى والمواد الغذائية الأساسية، أجبرت المواطنين على اللجوء إلى قنوات غير رسمية للحصول عليها. وتضاعفت أسعار هذه السلع عدة مرات، مما جعل الوصول إليها حكراً على القادرين مادياً، في حين تعاني الغالبية العظمى من السكان من انعدام القدرة الشرائية. هذا الواقع لم يقتصر على السلع الاستهلاكية فحسب، بل امتد ليشمل الوقود والأدوية، مما فاقم من حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها النازحون والجرحى في مختلف مناطق القطاع.

تحليل اقتصادي: تفكيك الاقتصاد الرسمي لصالح الاحتكار

يرى خبراء اقتصاديون أن نمو السوق السوداء في غزة ليس مجرد نتيجة عرضية للحرب، بل هو نتاج مباشر لسياسات تهدف إلى تفكيك مقومات الاقتصاد المحلي وتحويله إلى منظومات مجزأة تفتقر للرقابة. إن منع تدفق البضائع بشكل منتظم يفتح الباب أمام الاحتكارات ويخلق بيئة خصبة للمضاربين، وهو ما يساهم في تآكل الطبقة الوسطى وانعدام الأمن الغذائي. ويؤكد المحللون أن هذا النمط الاقتصادي الجديد يؤدي إلى إضعاف النسيج الاجتماعي وزيادة الاعتماد على المعونات التي تصل بالأساس بكميات غير كافية.

خلاصة وتداعيات: الثمن الإنساني الباهظ

في الختام، يظل المواطن الفلسطيني في غزة هو الحلقة الأضعف في مواجهة هذه الدورة الاقتصادية المشوهة. إن استمرار الاعتماد على السوق السوداء لتأمين لقمة العيش والعلاج ينذر بكارثة اجتماعية طويلة الأمد، ما لم يتم فتح المعابر بشكل دائم وتدفق المساعدات والسلع التجارية تحت رقابة دولية ووطنية تضمن العدالة في التوزيع وتوقف نزيف الأسعار. إن إعادة إحياء الدورة الاقتصادية الرسمية في غزة تتطلب تدخلاً عاجلاً لرفع القيود المفروضة، باعتبارها الخطوة الأولى لإنهاء حالة الانهيار المعيشي.

المصدر: TRT

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *