رؤية توماس فريدمان: لماذا لن تجلب الحرب على إيران استقراراً للشرق الأوسط؟
في تحليل عميق نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، أعرب الكاتب الأمريكي البارز توماس فريدمان عن شكوكه الجوهرية حول إمكانية تحسن الأوضاع في الشرق الأوسط حتى في حال تدمير إيران عسكرياً. يرى فريدمان أن التاريخ أثبت غياب ما يسمى بـ "الحل النهائي" لصراعات المنطقة المعقدة.
وهم عبارة "مرة واحدة وإلى الأبد"
يؤكد فريدمان أن أخطر المصطلحات المتداولة في الأوساط السياسية والعسكرية هي عبارة "مرة واحدة وإلى الأبد". ويرى أن هذه العبارة تتجاهل طبيعة الصراعات الإقليمية التي لا تنتهي بمجرد الحسم العسكري.
ويوضح أن القضاء على أي تهديد يتطلب مزيجاً دقيقاً من القوة والسياسة معاً، وهو أمر بالغ التعقيد يتطلب تنازلات سياسية مؤلمة، وهو ما تفتقر إليه الاستراتيجيات الحالية.
فشل استراتيجية الاغتيالات: نموذج حماس
ساق فريدمان أدلة تاريخية تثبت عدم جدوى الاغتيالات في إنهاء الحركات المتجذرة:
- تعاقب الأجيال: قتلت إسرائيل ثلاثة أجيال من قادة حماس منذ التسعينيات، لكن الجيل الرابع لا يزال يقود المعركة.
- التجذر الاجتماعي: تكمن قوة حماس في تغلغلها داخل النسيج الاجتماعي في غزة.
- غياب البديل السياسي: رفض إسرائيل التعاون مع السلطة الفلسطينية يعزز بقاء القوى الراديكالية.
وبناءً على ذلك، يتساءل فريدمان: إذا فشلت الاغتيالات القريبة في إنهاء حركة محلية، فكيف يمكن للضربات الجوية أن تنهي نظاماً بحجم إيران؟
سياسة حافة الهاوية وتجريد العدو من كرامته
طرح فريدمان قاعدة ذهبية مفادها أن تجريد العدو من كرامته يجعله أكثر خطورة لأنه "لن يجد ما يخسره". وحذر من أن استراتيجية نتنياهو وترمب التي تعتمد على قتل القادة فقط دون مشروع سياسي بديل ستؤدي إلى:
- فوضى اقتصادية: تدمير اقتصاد النفط الإيراني سيحرض الشعوب ضد الغرب.
- دولة الفصل العنصري: في فلسطين، سيؤدي غياب حل الدولتين إلى تحول إسرائيل لدولة ثنائية القومية أو دولة أبارتهايد.
- انهيار لبنان: السيطرة العسكرية على جنوب لبنان لن تقضي على حزب الله دون عملية سياسية داخلية تقودها حكومة قوية.
التهديد الإيراني: القوة في الضعف
لفت فريدمان الانتباه إلى مفارقة خطيرة؛ وهي أن إيران الضعيفة قد تكون أكثر إزعاجاً للعالم من إيران القوية. فإطلاق مسيرة واحدة من شاحنة بسيطة كفيل بقطع إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، مما يرفع الأسعار عالمياً ويسبب أزمة أسمدة وغذاء شاملة، وهو ما لا يبدو أن واشنطن مستعدة لمواجهته.
الخاتمة: السياسة هي المخرج الوحيد
يخلص فريدمان إلى أن "المأساة العالمية" لن تنتهي بقتل القادة أو تدمير الترسانات العسكرية. الحل المستدام يكمن في إضعاف القوى الراديكالية بالقدر الذي يسمح بممارسة "سياسة حقيقية"، تفتح المجال أمام الشعوب في غزة ولبنان وإيران للمطالبة بالحداثة والاستقرار بعيداً عن أتون الحروب الأبدية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً