تَمحيصُ القلوب في مِحْرابِ الابتلاء: حينَ تَسقطُ الأقنعةُ ويَبقى الأصدقُ

تتجلّى حقيقةُ الحياةِ الدُّنيا في كوْنِها مسرحًا كبيراً، تُجيدُ فيهِ الأيامُ تسليطَ الأضواءِ الباهرةِ على الوجوهِ والملامحِ، فتمنحُها بريقاً قد يخدعُ الأبصارَ، وتُلبسُها من الزينةِ والابتساماتِ ما يَحجبُ الرؤيةَ عن كُنْهِ النفوسِ وما تُكِنُّه الصدورُ. إنَّ هذهِ الدنيا، بفتنتِها وتَقلُّبِها، بارعةٌ جداً في إخفاءِ الحقائقِ الكامنةِ في أعماقِ القلوبِ؛ فهي تفتحُ أبوابَها لِمَن يُحسنُ تزييفَ المشاعرِ وتنميقَ الوعودِ، وتُقرِّبُ في مجالسِها أولئك الذين لا يملكونَ سوى الابتساماتِ الباردةِ والمجاملاتِ الفارغةِ، بينما قد تُنحي جانباً الصادقين الذين لا يتقنونَ فنونَ المداهنةِ أو لُعبةَ الظهورِ بمظهرِ المثاليّةِ الزائفةِ.

زينةُ الرَّخاءِ وزيفُ الابتسام

في أوقاتِ الرخاء والسَّعة، تمتلئُ المجالسُ بالضاحكين، وتتعدّدُ الأيدي التي تَمْتَدُّ للمصافحةِ، وتَكثُرُ الألسنُ التي تلهجُ بالثناءِ والولاءِ. في هذهِ المرحلةِ، يختلطُ الحابلُ بالنابلِ، ويَصعُبُ التمييزُ بينَ مَن يَسيرُ معك لغايةٍ نبيلةٍ ومَن يَسيرُ طمعاً في مغنمٍ أو مصلحةٍ عابرةٍ. إنَّ الابتسامةَ في زمنِ الرخاء لا تُكلفُ صاحبَها شيئاً، والوفاءَ في ظلالِ النعمةِ قد يكونُ مجرّدَ ردِ فعلٍ طبيعيٍّ لما يجدهُ المرءُ من فوائد.

  • فالابتسامةُ قد تكونُ قناعاً اجتماعياً يُرتدى لغرضِ الاندماج.
  • والكلماتُ الطيبةُ قد تكونُ بضاعةً مزجاةً تُساقُ لكسبِ الودِّ المؤقتِ.
  • والقربُ الجسديُّ لا يعني بالضرورةِ اتصالَ الأرواحِ أو صفاءَ النوايا.
  • لقد جُبلت الدنيا على أن تُعطي الانطباعَ الأولَ للأجملِ مظهراً، والأكثرِ ضجيجاً، والأبرعِ في إدارةِ لُعبةِ “التمثيلِ الاجتماعيِّ”، فيظنُّ الرائي أنَّ هؤلاء هم السندُ والذُّخرُ، وما هم في الحقيقةِ إلا سحابةُ صيفٍ تنقشعُ مع أولِ هبّةِ ريحٍ باردةٍ.

    الابتلاءُ: الضيفُ الثقيلُ والكاشفُ الأمينُ

    بينما يعيشُ الناسُ في غفلةِ الرخاء، يأتي “البلاءُ”؛ ذلك الضيفُ الثقيلُ الذي لا يستأذنُ أحداً قبلَ دخولِهِ، ولا يطرقُ الأبوابَ برفقٍ، بل يقتحمُ الحياةَ ليقلبَ موازينَها. الابتلاءُ ليس مجرّدَ ضيقٍ في العيشِ أو مرقٍ في الجسدِ، بل هو “الغربالُ الإلهيُّ” الذي وُجدَ ليفصلَ بين الحقِّ والباطلِ، وبين الصدقِ والادّعاءِ.

    عندما تنزلُ النازلةُ، وتشتدُّ الكروبُ، لا تملكُ الأقنعةُ المصطنعةُ القدرةَ على الثباتِ؛ فالقناعُ مهما كان مُتقناً، يحتاجُ إلى بيئةٍ هادئةٍ ليبقى ثابتاً على الوجوهِ، أما في عواصفِ المحنِ، فإنَّ هذه الأقنعةَ تسقطُ دفعةً واحدةً، وتنكشفُ الوجوهُ على حقيقتِها المجرّدةِ.
    1. تسقطُ أقنعةُ الأصدقاءِ الذين كانوا يضحكونَ طمعاً في مصلحةٍ.
    2. تتهاوى جدرانُ الوفاء الهشّة التي بُنيت على رمالِ المصالحِ المتبادلةِ.
    3. يختفي الضجيجُ، وتخفتُ الضحكاتُ، ولا يبقى في الميدانِ إلا الصادقُ الثابتُ.

    إنَّ هذا الثباتَ في وجهِ البلاءِ لا يعودُ بالضرورةِ إلى القوةِ العضليةِ أو المكانةِ الاجتماعيةِ، بل هو نابعٌ من “الصدقِ”؛ فالثباتُ صفةٌ لا يمنحُها اللهُ إلا لِمَن صَدَقَتْ نيتُه واستقامَ قلبُه، فالأصدقُ هو الأبقى دائماً، وإن بدا في أعينِ الناسِ أضعفَهم أو أقلَّهم حيلةً.

    حِكمةُ التمايزِ في المنظورِ القرآنيِّ

    لقد بيّن لنا الخالقُ سبحانه وتعالى سُنَّةً كونيّةً ثابتةً في التعاملِ مع عبادِه، وهي سُنَّةُ “التمحيصِ”. يقول الله تعالى في محكمِ تنزيلِه: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}. هذه الآيةُ العظيمةُ تضعُ لنا الدستورَ الواضحَ لفهمِ تَقَلُّباتِ الناسِ وتغيُّرِ أحوالِهم عند الأزماتِ.

    إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ، بحكمتِه البالغةِ، لا يتركُ الجماعةَ المؤمنةَ أو الفردَ المؤمنَ دونَ اختبارٍ يُجلي الحقائقَ. فلو استمرتِ الأمورُ على وتيرةٍ واحدةٍ من السكينةِ والرخاء، لاختلطَ المخلصُ بالمنافقِ، والمحبُّ بالمُدّعي، ولما عُرفَ فضلُ الصابرين.

  • معنى التمايز: “يَميزَ” تعني الفصلَ والفرزَ الدقيقَ، بحيثُ لا يختلطُ صنفٌ بآخر.
  • الخبيثُ والطيبُ: البلاءُ هو الذي يُخرجُ خبايا القلوبِ؛ فيظهرُ “الخبيثُ” الذي كان يتستّرُ برداءِ الإيمانِ أو الوفاء، ويتجلى “الطيبُ” الذي لا تزيدُه المحنُ إلا صلابةً ونوراً.
  • إنَّ هذا التمايزَ ليس عقوبةً، بل هو رحمةٌ للمؤمنين؛ ليعرفوا مَن يضعونَ ثقتَهم فيه، وليعلموا أنَّ الاعتمادَ الحقيقيَّ لا يكونُ إلا على مَن لا يتغيرُ ولا يزولُ، وهو اللهُ سبحانه وتعالى.

    الوفاءُ كخيارٍ وليس كوظيفةٍ مؤقتة

    من أعظمِ الآفاتِ التي كشفَ عنها النصُّ الأصليُّ هي رؤيةُ البعضِ للوفاءِ والصدقِ كأنَّها “وظائفُ مؤقتةٌ” أو “خياراتٌ إضافيةٌ” في عقدِ العلاقةِ الإنسانيةِ. بعضُ الناسِ يمارسُ الوفاءَ ما دامَ الوضعُ آمناً والمكاسبُ مستمرةً، وكأنَّ لسانَ حالِه يقولُ: “سأكونُ وفياً ما لم يطلب مني الوفاءُ تضحيةً حقيقيةً”.

    هذا النوعُ من البشرِ يتعاملُ مع المبادئِ والأخلاقِ بانتهازيةٍ مقيتةٍ:

  • الصدقُ عندهم وسيلةٌ لتحقيقِ مأربٍ، فإذا تعارضَ الصدقُ مع المنفعةِ، قدّموا المنفعةَ وألغوا الصدقَ بدمٍ باردٍ.
  • الوفاءُ لديهم ينتهي عند أولِ منعطفٍ حادٍّ في طريقِ الحياةِ، فتجدهم يتبرؤون من وعودِهم وكأنَّها لم تكن.
  • الذكاءُ الاجتماعيُّ بالنسبةِ لهم هو القدرةُ على التملصِ من الالتزاماتِ الأخلاقيةِ عند الحاجةِ، والبراعةُ في تبريرِ الخذلانِ بحججٍ واهيةٍ.

إنَّ هذه العقليةَ هي التي تجعلُ من العلاقاتِ الإنسانيةِ مجرّدَ صفقاتٍ تجاريةٍ، يربحُ فيها “الأذكى” بمقاييسِ الدنيا، لكنَّه يخسرُ نفسَه وقيمتَه وأجرَه بمقاييسِ الآخرةِ والحقِّ.

النجاةُ الحقيقيةُ: بين ذكاءِ البشرِ وتقوى الله

في نهايةِ المطافِ، وبعد انقضاءِ العواصفِ وهدوءِ الرياحِ، يُطرحُ السؤالُ الجوهريُّ: مَن الذي نجا حقاً؟
العالمُ قد يصفقُ لـ “الأذكى” الذي استطاعَ أن يخرجَ من الأزمةِ بأقلِّ الخسائرِ الماديةِ، حتى لو كان ذلك على حسابِ كرامتِه أو صدقِه أو أصدقائِه. العالمُ قد ينبهرُ بـ “الأبرعِ” في إدارةِ مصالحِه الشخصيةِ الذي عرفَ من أين تُؤكلُ الكتفُ وكيفَ يتخلى عن السفينةِ قبلَ غرقِها بلحظاتٍ.

لكنَّ الحقيقةَ الشرعيةَ والوعظيةَ تُخبرنا بخلافِ ذلك تماماً. النجاةُ لا تُقاسُ بما نملكُه بعد البلاءِ، بل بما بَقِيَ فينا من “تقوى” و”صدقٍ” بعدَ انقشاعِ الغمّةِ.
1. النجاةُ للأقربِ لله: مَن جعلَ اللهَ قبلتَه وهدفَه، لا تزلزلهُ خياناتُ البشرِ ولا تُضعفهُ وطأةُ الابتلاءِ؛ لأنَّ ركنَه شديدٌ وسندَه لا يميلُ.
2. النجاةُ للأتقى: التقوى هي الحصنُ الذي يحمي الإنسانَ من الانزلاقِ في مستنقعِ الزيفِ، وهي التي تمنحهُ البصيرةَ ليرى الحقائقَ قبلَ وقوعِها.
3. خيبةُ الأذكياءِ بالمعصيةِ: مَن كان ذكاؤُه يقودُه للتلاعبِ بالناسِ وخيانتِهم، سيجدُ نفسَه وحيداً في النهايةِ، فقد بَرَعَ في مصالحِه الدنيويةِ لكنه أفلسَ في رصيدِه الأخرويِّ.

إنَّ العبرةَ ليست بمن ضحكَ معك في أوجِ سرورِك، بل بمن مَسحَ دمعتَك في أوجِ انكسارِك. وليست العبرةُ بمن مَدحَك في حضورِك، بل بمن حَفِظَ غيبتَك في مِحنتِك. والوفاءُ الحقيقيُّ هو ذلك الذي ينبعُ من مخافةِ اللهِ والارتباطِ به، لا من الخوفِ من الناسِ أو الرغبةِ في ثنائِهم.

خاتمةٌ للمتأملين

إنَّ دروسَ الحياةِ القاسيةِ ما هي إلا رسائلُ إلهيةٌ تُذكّرنا بأنَّ الاستنادَ إلى البشرِ استنادٌ إلى جدارٍ مائلٍ، وأنَّ التعلقَ بابتساماتِ الوجوهِ دونَ فحصِ القلوبِ هو نوعٌ من السرابِ. فليكن حرصُنا على أن نكونَ “صادقين” لا “أذكياءَ” بمفهومِ المكرِ، وعلى أن نكونَ “أتقياءَ” لا “بارعين” بمفهومِ التلاعبِ بالمصالحِ.

ولنتذكر دائماً أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى لا يتركُ عبادَه في عمايةٍ من أمرِهم، بل يرسلُ المواقفَ لتُنيرَ البصائرَ، وتُظهرَ الطيِّبَ وتُقصي الخبيثَ، فمن أرادَ البقاءَ الحقيقيَّ، فليكن للهِ أقربَ، وله أطوعَ، وفي الصدقِ أرسخَ، فما عندَ اللهِ باقٍ، وما عندَ الناسِ ينفدُ مع أولِ اختبارٍ.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *