تِيلِيُولُوجِيَا اليَقِينِ الـمُنْفَلِق: دَرْسُ الثَّبَاتِ في رِحْلَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام

مُقدّمة: مَفْهُوم الحِصَار القَدَرِيِّ وإِشْرَاقَةُ اليَقِين

في لَحَظاتِ التَّحوُّلِ الكُبْرَى في التَّاريخِ البَشَريّ، تَبْرُزُ مَواقفُ تَتجاوزُ حُدودَ المَنْطِقِ المادِّيِّ لِتُرسِيَ قَواعِدَ جَديدةً في فِقهِ الِاعتصامِ بالله. إنَّ ما نُسَمِّيهِ بـ “تِيلِيُولُوجِيَا اليَقِينِ المُنْفَلِق” ليسَ مُجرَّدَ مُصطلحٍ نَظريّ، بل هو دِراسةٌ في الغائيَّةِ القُصْوَى لِلثِّقةِ بالمَوْلَى سبحانَهُ عندما تَنْغَلِقُ الأبوابُ وتَتَلاشَى الحُلُولُ الأرْضِيَّة. إنَّ قِصَّةَ نَبيِّ اللهِ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَمامَ البَحْرِ تُمثِّلُ الذُّروةَ في مِيكانيكا الثَّباتِ النَّفسِيِّ والارتباطِ الغَيْبِيّ، حيثُ يَتصادَمُ المَنْظورُ البَشريُّ المَحْدودُ معَ المَعيَّةِ الإلهيَّةِ المُطْلَقَة.

أوَّلاً: تَشريحُ مَشْهَدِ الحِصَارِ (البَحْرُ مِنْ أَمَامِكُمْ وَالعَدُوُّ مِنْ خَلْفِكُمْ)

يَصِفُ القُرآنُ الكَرِيمُ لَحظةً مِحْوَريَّةً بَلغَ فيها الاضطرابُ النَّفسِيُّ بَني إسرائيلَ مَبْلغَهُ؛ فالبَحْرُ بِهَوْلِهِ وأمواجِهِ يَقِفُ حَاجِزاً مَنيعاً في الأَمام، وفِرْعَوْنُ بِجَيْشِهِ وجَبَرُوتِهِ يَزْحَفُ كالمَوْتِ الزُّؤامِ مِنَ الخَلْف. في هذا المَشْهَد، نَطَقَ لِسانُ المَنْطِقِ المادِّيِّ المَحْضِ على لِسانِ أصْحابِ مُوسى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) [الشعراء: 61].

كلمةُ “لَمُدْرَكُونَ” هنا ليستْ مُجرَّدَ إخْبار، بل هي استسلامٌ تامٌّ لِمَنْطِقِ الحِصَارِ القَدَرِيّ، واعتقادٌ بأنَّ الأسبابَ المادِّيَّةَ هي الحاكِمُ الوحيدُ على مَصائرِ البَشَر. إنَّهم رأَوْا بِأعينِهم نِهايةَ الطَّريق، ولم يَرَوا بِقلوبِهم رَبَّ الطَّريق. وهنا يَتجلَّى دَوْرُ القائدِ الرَّبانيِّ في تَرْميمِ مِعْمَارِ الثَّبَاتِ الذي تَصدَّعَ في نُفوسِ أتباعِه.

ثانياً: مِيكانيكا الِاعْتِصَامِ.. لِمَاذَا “كَلَّا”؟

جاءَ الرَّدُّ المَوْسَوِيُّ حَاسِماً، قَاطِعاً، ومُزَلْزِلاً لِكُلِّ حِساباتِ الاحتمالاتِ العَقليَّة: (قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الشعراء: 62]. إنَّ حَرْفَ الردعِ “كَلَّا” في هذا المَقامِ هو مِفتاحُ تَفْكِيكِ مَنْطِقِ الحِصَار. إنَّها “كَلَّا” التي تَنْفي قُدرةَ المَخلوقِ على الإحاطةِ بِمَنِ اعْتَصَمَ بالخالِق.

نَحنُ أمامَ مِيكانيكا إيمانيَّةٍ تَعتمِدُ على ثَلاثِ ركائزَ جَوْهريَّة:

  • اليقينُ بالمَعيَّة: (إِنَّ مَعِيَ)؛ وهي مَعيَّةٌ خَاصَّةٌ تَقْتَضي النُّصرةَ والتَّأييدَ والحِفْظ.
  • تَحقيقُ العُبوديَّة: (رَبِّي)؛ نِداءُ الرُّبوبيَّةِ الذي يَستحضرُ صِفاتِ التَّدبيرِ والقيُّوميَّة.
  • الثِّقةُ بالمآل: (سَيَهْدِينِ)؛ السينُ هنا لِلاستقبالِ القَريبِ الذي لا يَعرفُ التَّردُّد، والهدايةُ هنا تَشملُ المَخْرَجَ والمَنْجاة.

ثالثاً: تَرْميمُ مِعْمَارِ الثَّبَاتِ وتَفْكِيكُ مَنْطِقِ العَجْز

إنَّ الِاعتصامَ بالأمرِ الإلهِيِّ في لَحظةِ الحِصَارِ يَعني إعادةَ صِياغةِ الوَاقعِ بِمَنظورِ الغَيْب. لَمْ يَنْفَلِقِ البَحْرُ إلَّا بَعدَ أنِ انْفَلَقَ اليقينُ في قَلبِ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مُعلِناً نِهايةَ سُلْطَةِ المادَّة. إنَّ الثَّباتَ هنا ليسَ صُموداً سَلبيّاً، بل هو “ثَباتٌ دِينامِيكيّ” يَتجلى في المَضيِّ قُدُماً نَحوَ البَحْرِ بِثقةٍ، رُغْمَ أنَّ القَوانينَ الفيزيائيَّةَ تَقولُ بالغَرَق.

وهذا يُذكِّرُنا بِمَقامِ النبيِّ ﷺ في الغارِ حينَ قالَ لِصاحِبِهِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- لمَّا قالَ: “لو نَظَرَ أحدُهُم تحتَ قَدَمَيْهِ لَرَآنا”، فَردَّ ﷺ بِيَقينِ الأنبياءِ العَظيم: “يا أبا بَكرٍ، ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثالِثُهُما؟” (رواهُ البُخاري ومُسلم). إنَّها نَفْسُ المِعمارِيَّةِ الإيمانيَّةِ التي تَرى اللهَ حَاضِراً في قلبِ الأزمة، فَيَتحوَّلُ الخَوْفُ إلى أَمْن، والحِصَارُ إلى فَرَج.

رابعاً: أثَرُ الآيةِ في حَياتِنا الـمُعاصِرَة (كَيْفَ نَفْلِقُ بِحارَ يَأْسِنا؟)

إنَّ “اليقينَ المُنْفَلِق” ليسَ مَقْصوراً على الزَّمانِ الغابِر، بل هو مَنْهَجُ حَياةٍ لِكُلِّ مُسلمٍ يُواجِهُ فِراعِنَةَ العَصْرِ مِن هُمُومٍ، وأمراضٍ، وأزَماتٍ اقتصادِيَّة، وضُغوطٍ نَفسيَّة. إنَّ الحِصَارَ القَدَرِيَّ قد يَتَمثَّلُ في بَابٍ مُغْلَق، أو مَرضٍ عُضال، أو فَقْدٍ مُوجِع. وهنا نَحتاجُ لِاستدعاءِ (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي).

تَأثيرُ هذه الآيةِ في تَرْميمِ النَّفْسِ يَكْمُنُ في:

  • تَحطيمِ صَنَميَّةِ الأسباب: لا نَهجُرُ الأسبابَ، ولكنْ لا نَعتَقِدُ أنَّها رَبٌّ يُصَرِّفُ الكون.
  • تَحقيقِ السَّكينةِ القَلبيَّة: اليقينُ بأنَّ اللهَ لا يَجعلُ لِعبادِهِ المُؤمنينَ مَسَدّاً دَائماً، بل يَجعلُ بَعدَ عُسْرٍ يُسْراً.
  • تَحويلِ المِحْنَةِ إلى مِنْحَة: البَحْرُ الذي كانَ مَصْدَرَ الرُّعبِ، صارَ هو طَريقَ النَّجاةِ وبابَ هَلاكِ الظَّالِمين.

خامساً: الِاعْتِصَامُ بِالأَمْرِ وَانْبِلاجُ الفَجْر

يقولُ اللهُ تَعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) [الشعراء: 63]. إنَّ الِاعتصامَ بالأمرِ هنا هو ضَرْبُ البَحْرِ بالعَصا، فِعْلٌ بَسيطٌ في ظاهرِهِ، لكنَّهُ مَقرونٌ بيقينٍ جَبَّار. فكانتِ النتيجةُ خَرْقاً لِلنواميسِ الكَوْنيَّةِ إكْراماً لِذلكَ الثَّبات.

إنَّ تِيلِيُولُوجِيَا (غائيَّة) هذا الفَلْقِ هي إثباتُ أنَّ القُدرةَ الإلهيَّةَ تَتَدخَّلُ حينَ تَنْقَطِعُ الآمالُ بغيرِ الله. فَمَنْ اعْتَصَمَ بأمرِ اللهِ بِيَقينٍ، فَلَقَ اللهُ لَهُ بَحْرَ أوهامِهِ، وفَتَحَ لَهُ آفَاقاً لم يَكُنْ يَحْتَسِبُها.

خَاتِمَة: نَحْوَ مِعْمَارٍ إِيمَانِيٍّ صَلْد

في خِتامِ هذه الدِّراسةِ الإيمانيَّة، نَجِدُ أنَّ نَبيَّ اللهِ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قد رَسَمَ لَنا خَارِطَةَ طَريقٍ لِلخُروجِ مِن مَآزِقِ الحياة. إنَّ مِعمارَ الثَّباتِ يَقومُ على لَبِنَاتٍ مِنَ التَّوحيدِ الخَالِص، والاعتصامِ بحبلِ اللهِ المَتين. إنَّ عِبَارةَ {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} هي الشِّفرةُ التي تُفَكِّكُ جَميعَ أنواعِ الحِصَارِ، وهي المِعولُ الذي يَهْدِمُ جُدرانَ اليأْس.

فَلْيَكُنْ هذا هُوَ شِعارُنا في كُلِّ شِدَّة: “كَلَّا” لِليَأْس، “كَلَّا” لِلاحْتِباسِ في ضِيقِ الأسباب، فالمَعيَّةُ الإلهيَّةُ أوسَعُ مِن كُلِّ حِصَار، وفَضْلُ اللهِ آتٍ لا مَحالة. (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 3].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *