ثمرة الصلاة: كيف يحيي الإقبال على الله القلوب الميتة؟

# ثمرة الصلاة: مرافئ النور وغذاء الأرواح الجائعة

إن المتأمل في أحوال النفس البشرية يدرك يقيناً أنها جُبلت على الضعف والافتقار، وأنها في تقلباتها بين فتن الدنيا وضجيج الحياة، تظل في بحث دائم عن مستقر آمن وملاذ يمنحها الطمأنينة والسكينة. إن المؤمن، في رحلته نحو الدار الآخرة، أحوج ما يكون إلى طهارة قلبه من أدران الذنوب، وهو في عوز شديد وزمان فاقة إلى زكاء نفسه وصفاء سريرته. وإذا نظرنا في خارطة العبادات التي شرعها الله سبحانه، لوجدنا أن ثمرة الصلاة تبرز كأعظم وسيلة لتحقيق هذا المقصد الأسمى، فهي ليست مجرد حركات بدنية، بل هي معراج الروح ونور البصيرة.

جوع القلب وغذاء العبادة

لقد جعل الله سبحانه وتعالى لكل شيء غذاءً، فكما أن البدن يمرض إذا جاع ويضعف إذا حُرم من الطعام، فإن للقلب جوعة أعظم من جوعة البدن، وعطشاً لا يرويه إلا القرب من باريها. إن هذا الجوع القلبي لا يسده مال ولا جاه، بل تسده العبادة الحقة التي تتجلى في أبهى صورها في الصلاة.

عندما يقف العبد بين يدي ربه، فإنه يجد من الإقبال على الله، والقرب منه، ما لا يجده في غيرها من العبادات. إنها الصلة التي تنقطع فيها خيوط الدنيا لتتصل بحبل الله المتين. ومن هنا، كان التفريط في هيئات الصلاة وأركانها ليس مجرد تقصير عابر، بل هو تجويع متعمد للروح، وحرمان للقلب من مدده الإلهي.

التحذير من “نقر” الصلاة وأثره على الروح

لقد رسم لنا النبي ﷺ صورة بليغة ومؤثرة لمن يستهين بأركان الصلاة ويؤديها بسرعة مخلة. ففي مسند ابن خزيمة، عن أبي عبد الله الأشعري قال: صلى رسول الله ﷺ بأصحابه، ثم جلس في طائفة منهم، فدخل رجل فقام يصلي فجعل يركع وينقر في سجوده، فقال النبي ﷺ: «إنما مثل الذي يركع وينقر في سجوده كالجائع لا يأكل إلا التمرة والتمرتين، فماذا تغنيان عنه»!

تأمل في هذا التشبيه النبوي البديع؛ فالذي يصلي بلا خشوع، ويسرع في ركوعه وسجوده كأنه يهرب من الصلاة، هو في الحقيقة كشخص يتضور جوعاً، وبدلاً من أن يجلس لمأدبة تشبعه، يكتفي بتمرة أو تمرتين. هل تدفع هاتان التمرتان غائلة الجوع؟ هل تبنيان جسداً أو تمنحان قوة؟ بالتأكيد لا.

وهكذا هو القلب؛ فغذاؤه التعبد والتبتل، ومن لم يأخذ كفايته من الركوع والسجود، ومن لم يطل الوقوف بين يدي الله بتدبر وإخبات، فإن قلبه سيبقى هزيلاً مريضاً. إن هذا الضعف الروحي يفتح الأبواب أمام الأدواء والشهوات لتتسلط على النفس، وربما وصل الحال بقلب العبد إلى الموت المعنوي، عافانا الله وإياكم من موت القلوب وقسوتها.

المقارنة بين ثمار العبادات: لماذا الصلاة أولاً؟

إن لكل عبادة في الإسلام حكمة جليلة وثمرة يقطفها العبد في الدنيا والآخرة. فإذا نظرنا إلى الصوم، نجد أن ثمرته الكبرى هي تطهير النفس من نزواتها وتربيتها على التقوى. وإذا نظرنا إلى الزكاة، نجد أن ثمرتها هي تطهير المال من الشوائب وتزكية نفس الغني من الشح. أما الحج، فإن ثمرته العظمى هي المغفرة الشاملة والعودة كيوم ولدته أمه.

لكن ثمرة الصلاة تمتاز بخصوصية فريدة، فهي “الإقبال على الله ﷻ”. إنها العبادة التي تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، لتجدد العهد وتغسل القلب من غبار الغفلة. الصلاة هي المحطة التي يتزود منها المؤمن بالقوة لمواجهة أعباء الحياة، وهي الباب المفتوح الذي لا يُغلق أبداً أمام من أراد الدخول على ملك الملوك.

لحظة التكبير: بداية الإقبال الإلهي

تبدأ ثمرة الصلاة في الظهور منذ اللحظة الأولى التي يرفع فيها المؤمن يديه قائلاً “الله أكبر”. في هذه اللحظة، يلقي العبد الدنيا وما فيها خلف ظهره، ويستقبل القبلة ببدنه، ويستقبل ربه بقلبه. وأول ما يجده المؤمن من فيوضات هذا الإقبال هو ما ورد في السنن.

ففي ابن ماجه عن حذيفة، أنه رأى شبث بن ربعي بزق بين يديه، فقال: يا شبث لا تبزق بين يديك، فإن رسول الله ﷺ كان ينهى عن ذلك، وقال: «إن الرجل إذا قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه، حتى ينقلب أو يحدث حدث سوء».

يا له من مقام عظيم! أن يقبل الله بجماله وجلاله وعظمته على عبدٍ ضعيف، فقط لأنه قام يصلي. إن هذا الإقبال الرباني هو قمة النعيم الذي يمكن أن يحصله العبد في الدنيا. فالله سبحانه يواجه المصلي بوجهه الكريم، ويحيطه برحمته، ويسمع مناجاته، ويستجيب دعاءه، ما دام العبد مقبلاً بقلبه، غير ملتفت ببدنه أو بفكره إلى غير الله.

كيف نحافظ على ثمرة الصلاة في حياتنا؟

إن الحفاظ على هذه الثمرة يتطلب منا وقفة جادة مع أنفسنا. فالصلاة التي لا تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصلاة التي لا يجد صاحبها أثرها في سكينته وأخلاقه، هي صلاة تحتاج إلى مراجعة. إليكم بعض النقاط التي تعين على جني ثمرة الصلاة:

1. تعظيم قدر الصلاة: أن يدرك العبد أنه ذاهب للقاء خالق الكون، فيستعد لها بالوضوء السابغ واللباس الحسن والتبكير.
2. الطمأنينة في الأركان: الهروب من تشبيه “نقر الغراب”، وإعطاء كل ركوع وسجود حقه من التسبيح والذكر، ففي الطمأنينة يسكن القلب.
3. استحضار الإقبال الإلهي: تذكر دائماً حديث النبي ﷺ بأن الله يقبل عليك بوجهه، واستحي أن يراك الله ملتفتاً بقلبك إلى هموم الرزق أو مشاغل الدنيا وهو أمامك.
4. تدبر الأذكار والقراءة: لا تجعل لسانك يتحرك آلياً، بل حاول أن تفهم معنى كل آية تقرؤها وكل تسبيحة تنطق بها.

الخاتمة: دعوة لإحياء القلوب

إن الصلاة هي عماد الدين، وهي الحبل المتصل بين الأرض والسماء. فإذا أردت أن تعرف مقامك عند الله، فانظر إلى مقام الصلاة في قلبك. هل صلاتك مجرد واجب ثقيل تؤديه لتستريح منه؟ أم هي قرة عينك وملاذك الذي تفر إليه لتستريح به؟

إن القلوب التي لا تتغذى بركوع طويل وسجود خاشع هي قلوب معرضة للذبول والضياع. فاجعل من صلاتك واحة غناء، واحرص على أن تخرج منها بقلب غير الذي دخلت به. إن ثمرة الصلاة هي زادك الحقيقي، وهي النور الذي سيضيء لك ظلمة القبر، والشفيع الذي سيقف معك يوم العرض على الله.

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المقيمين للصلاة، الخاشعين فيها، وأن يرزقنا كمال الإقبال عليه، ويطهر قلوبنا ببركة الوقوف بين يديه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *