مقدمة: في رحاب الثبات واليقين
إن تاريخ الإسلام ليس مجرد سرد للأحداث الزمنية، بل هو سجل حافل بـ “فيزياء الصمود” التي تتجسد في مواقف الكبار حين تضيق عليهم الأرض بما رحبت. في قلب هذه الجدلية، يبرز اسم الإمام سعيد بن جبير، تلميذ ابن عباس وإمام التابعين، كأيقونة فريدة تبرهن على أن العلم ليس مجرد نصوص تُحفظ، بل هو قوة روحية ومنهجية تصون الموقف وتثبت الأقدام يوم تزل الأقدام. يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].
أولاً: مفهوم المحنة في الميزان الشرعي
المحنة في حياة العالم ليست عارضاً عبثياً، بل هي مختبر إلهي لتمحيص الحق من الباطل. لم تكن محنة سعيد بن جبير مع الحجاج بن يوسف الثقفي مجرد خلاف سياسي، بل كانت صراعاً بين “سلطان العلم” و“سلطان القهر”. إن الصمود المنهجي الذي أظهره الإمام سعيد ينبع من إدراكه لرسالة العالم التي تتجاوز حدود محراب العبادة لتشمل قول الحق في أصعب الظروف. وقد روى الترمذي عن النبي ﷺ قوله: “أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”. هذا الحديث كان المحرك الأساسي لفيزياء الحركة لدى سعيد بن جبير، حيث تلاشت قوى الجذب الأرضية والمخاوف البشرية أمام قوة اليقين بالوعد الإلهي.
ثانياً: البناء المنهجي لشخصية سعيد بن جبير
لا يمكن فهم ثبات سعيد بن جبير دون النظر إلى خلفيته العلمية العميقة. كان رحمه الله يقول: “ما مضت عليّ ليلة إلا وأنا أقرأ فيها القرآن”. هذا الاتصال الدائم بالوحي خلق لديه حصانة فكرية وروحيّة.
- العلم بالعمل: لم يكن علمه نظرياً، بل كان يرى أن العلم الذي لا يورث خشية هو حجة على صاحبه.
- الرسوخ في التفسير: بصفته تلميذ ابن عباس، كان يمتلك رؤية شمولية لمقاصد الشريعة، مما جعله يدرك أن الحفاظ على كرامة الأمة والدين أولى من الحفاظ على النفس.
- الاستقلالية: حافظ على مسافة واضحة من السلطان، مما جعل كلمته نافذة وموقفه غير مشوب بالمصالح المادية.
ثالثاً: المواجهة التاريخية.. فيزياء الصمود أمام الطغيان
حين دخل سعيد بن جبير على الحجاج، لم يكن يدخل بصفته سجيناً ذليلاً، بل بصفته عالماً عزيزاً. دار بينهما حوار هو من أعظم الحوارات في تاريخ الإنسانية، حيث تجلت فيه قوة اليقين. حين سأله الحجاج: “ما اسمك؟” قال: “سعيد بن جبير”. قال الحجاج: “بل أنت شقي بن كوير”. فرد عليه سعيد بهدوء الواثق: “أمي كانت أعلم باسمي منك”.
هذا الرد لم يكن مجرد ذكاء لغوي، بل هو تعبير عن عدم الاعتراف بسلطة الطاغية على الهوية والروح. إن اليقين هنا يعمل كدرع واقٍ يمتص الصدمات النفسية التي يحاول الجلاد فرضها. يقول الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139]. لقد طبق سعيد هذه الآية حرفياً، فارتفعت روحه فوق مستوى السياط والسيوف.
رابعاً: أثر اليقين في صيانة الموقف
إن اليقين في تجربة سعيد بن جبير قام بوظائف جوهرية:
- تسكين الاضطراب: عندما أُمر بقتله، ضحك. فتعجب الحجاج وسأله عن سبب ضحكه، فقال: “ضحكت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك”. هذا الثبات الانفعالي هو ذروة فيزياء اليقين.
- وضوح الرؤية: كان يرى المصير الأخروي رأي العين، فاستصغر عذاب الدنيا. (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) [طه: 72].
- تحويل المحنة إلى منحة: بدمه، كتب سعيد بن جبير وثيقة الخلود، وأنهى أسطورة الحجاج الذي لم يستطع قتل أحد بعده، وظل يصرخ في سكرات موته: “مالي ولسعيد بن جبير؟!”.
خامساً: الدروس المستفادة للواقع المعاصر
إن دراسة جدلية العالم والمحنة عند سعيد بن جبير تضعنا أمام استحقاقات هامة في واقعنا المعاصر. إن العالم الحقيقي هو من يكون “بوصلة” للأمة في أوقات الفتن، لا يميل مع الريح حيث مالت.
- أولاً: ضرورة تجذير الإيمان القلبي جنباً إلى جنب مع التحصيل العلمي.
- ثانياً: فهم أن الابتلاء هو سنة الله في الدعاة والعلماء، كما قال النبي ﷺ: “أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل”.
- ثالثاً: أن الموقف الثابت المبني على الدليل الشرعي هو الذي يبقى أثره في التاريخ ويصلح الله به أحوال الناس.
سادساً: الخاتمة الروحانية
رحم الله الإمام سعيد بن جبير، فقد كان مدرسة في الصمود، ومنارة في اليقين. لقد علمنا أن الجسد قد يفنى، وأن الرقاب قد تُقطع، لكن المبدأ الذي سُقي بالصدق لا يموت أبداً. إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى استحضار هذه النماذج التي لم تبع دينها بعرض من الدنيا، والتي كانت ترى في المحنة فرصة للقاء الله بقلب سليم وموقف مشرف.
فلنجعل من سيرة هذا الإمام نبراساً يضيء لنا دروب الثبات، ولنعلم أن اليقين بالله هو القوة الوحيدة التي لا تقهر، وهو الملاذ الآمن في كل محنة. (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: 27].

اترك تعليقاً