جراح الحروب أبو ستة: شهادة من قلب غزة عن الإبادة الممنهجة للطواقم الطبية وصمود الشعب الفلسطيني

جراح الحروب أبو ستة: شهادة من قلب غزة عن الإبادة الممنهجة للطواقم الطبية وصمود الشعب الفلسطيني

"من ينجو يحمل عبء الصوت": أبو ستة يروي فظائع غزة ويكشف استهداف الطواقم الطبية

في حلقة استثنائية من برنامج "المقابلة"، تحدث الجراح الفلسطيني البريطاني، الدكتور غسان أبو ستة، بشجاعة عن تجربته المريرة في قطاع غزة، مؤكدًا أنه رغم نجاته من مجزرة المستشفى المعمداني، إلا أنه يحمل عبئًا ثقيلاً، وهو واجب أخلاقي بأن يكون صوتًا للذين قضوا نحبهم.

"النجاة ليست خلاصًا، بل أسر لتجربة لا تفارقك"، هكذا وصف أبو ستة شعوره، مضيفًا أن من ينجو من الموت في هذه الظروف يبقى مدينًا للضحايا بأن يحكي قصصهم ويفضح الجرائم التي ارتكبت بحقهم.

حرب الإبادة: استهداف ممنهج للعائلات والمجتمع في غزة

كشف أبو ستة عن أن العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة لم يكن مجرد صراع عسكري، بل كان يهدف إلى تغيير البنية المجتمعية لمجتمعات المقاومة، من خلال استهداف ممنهج للعائلات ومحوها بالكامل.

"هذه الحرب تميزت بالتحول من استهداف أفراد إلى محو سلالات كاملة"، قال أبو ستة، مشددًا على أن هذا الاستهداف المتعمد يهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي الفلسطيني وزرع اليأس في قلوب الأجيال القادمة.

بين مهنة الحياة وواقع الموت: صراع الطبيب في قلب الحرب

تطرق أبو ستة إلى الصراع الدائم الذي يعيشه الأطباء في مناطق النزاع، بين مهنة الطب التي تهدف إلى إنقاذ الأرواح، وواقع الحروب الذي يضعهم في قلب الموت.

استذكر لحظة استعداده للموت داخل غرفة العمليات في مستشفى الشفاء خلال قصف عنيف، وكيف جلس في الزاوية لمراجعة مسيرة حياته، مؤكدًا أن هذه اللحظات تجعل الطبيب يدرك قيمة الحياة وأهمية دوره في حماية الإنسانية.

من بيروت 1982 إلى غزة 2023: مسيرة طبيب في خدمة شعبه

أوضح أبو ستة أن وعيه السياسي والمهني بدأ منذ طفولته، عندما شاهد مشاهد اجتياح بيروت عام 1982 واستهداف الطواقم الطبية، وهو ما جعله يقرر أن يصبح طبيبًا في خدمة مشروع شعبه.

منذ ذلك الحين، شارك أبو ستة متطوعًا في الضفة الغربية وقطاع غزة أثناء الانتفاضة الأولى، وتوجه إلى العراق بعد حرب الخليج الأولى، وعمل في جنوب لبنان خلال عدوان "عناقيد الغضب"، ثم في سوريا واليمن لاحقًا.

طب النزاعات: توثيق العلاقة بين الحرب وصحة الإنسان

أسس أبو ستة مسارًا أكاديميًا في طب النزاعات في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2011، حيث دمج بين الممارسة الميدانية والبحث العلمي، مما ساعده في توثيق العلاقة بين الحرب وصحة الإنسان من منظور طبي ومجتمعي أوسع.

غزة: حقل تجارب لأسلحة الاحتلال المحرمة

كشف أبو ستة عن أن قطاع غزة كان بمثابة حقل تجارب لأسلحة الاحتلال الإسرائيلي المحرمة، موضحًا أن استخدام الفسفور الأبيض بدأ يظهر بشكل متكرر منذ عام 2009، وأنه شخصيًا عاين الإصابات المروعة الناتجة عنه، حيث يحترق الجلد ويتفاعل الفسفور مع الأكسجين ليعود للاشتعال داخل الجسد.

بطولات الطواقم الطبية في غزة: تحدي الحصار والإمكانيات الشحيحة

أشاد أبو ستة بجهود الطواقم الطبية في غزة، التي عملت ضمن إمكانيات شحيحة، مؤكدًا أن وزارة الصحة في غزة استطاعت تطوير كوادرها الطبية رغم الحصار، ونجحت في تدريب فرق الإسعاف لتقديم الإسعاف الأولي المتقدم وتثبيت الإصابات في ظروف شبه ميدانية.

جراحات بلا تخدير: لحظات لا تُنسى في ذاكرة الأطفال

توقف أبو ستة عند أصعب اللحظات التي عاشها خلال العدوان، حين اضطر إلى إجراء عمليات جراحية للأطفال دون تخدير بسبب نفاد الأدوية، مؤكدًا أن مثل هذه التجارب تترك أثرًا نفسيًا بالغًا على الطفل، وتغيّر عتبة الألم لديه بشكل دائم.

استشهاد الأطباء: جريمة تهدف إلى شل القطاع الصحي

تحدث أبو ستة بحرقة عن استشهاد عدد من زملائه الأطباء، ومن بينهم الدكتور مدحت صيدم والدكتور همام اللوح والدكتور عدنان البرش، الذين فقدوا حياتهم إما تحت القصف أو بعد الاعتقال، واصفًا ما جرى بأنه استهداف متعمد للكوادر الطبية لِشلّ القطاع الصحي.

  • أكثر من 1200 من الطواقم الطبية استشهدوا.
  • تم تدمير 33 من أصل 36 مستشفى.
  • لم يتبقَ إلا 4 غرف عمليات لا تعمل بطاقتها الكاملة.

إعادة بناء القطاع الصحي: مهمة تستغرق عقدًا من الزمان وجيلًا كاملاً

اعتبر أبو ستة أن إعادة بناء القطاع الصحي في غزة ستحتاج إلى ما لا يقل عن 10 سنوات ماديًا، وجيل كامل بشريًا.

شهادة أمام الجنائية الدولية: محاسبة مرتكبي الجرائم في غزة

لم يتردد أبو ستة في تقديم شهادته أمام المحكمة الجنائية الدولية، متحدثًا عن قصف مستشفى المعمداني واستهداف الجرحى داخل المستشفيات بطائرات مسيّرة، وقد تم اعتماد هذه الشهادة ضمن مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة، رغم الضغوط السياسية الهائلة لعرقلة المحاسبة.

صمت المؤسسات الغربية وتواطؤ النخب الحاكمة

انتقد أبو ستة صمت المؤسسات الغربية الطبية والحقوقية، رغم تحرك العديد من الأفراد في أوروبا وأميركا، مشيرًا إلى أن القيم الليبرالية التي تأسست عليها الدولة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية يتم التضحية بها اليوم دفاعا عن مشروع الإبادة الإسرائيلي.

كما أبدى استغرابه من تواطؤ النخب الحاكمة في الغرب مع هذه الجرائم، مقابل تعاطف شعبي كبير ظهر في الجامعات والشارع الغربي.

غزة: منطقة غير قابلة للحياة وخطر الترحيل

حذر أبو ستة من أن قطاع غزة يواجه خطر التحول إلى منطقة غير قابلة للحياة، إذ إن الأطفال المصابين بالحرب يبلغ عددهم نحو 50 ألفًا، وكل واحد منهم بحاجة إلى 8 إلى 12 عملية جراحية، مما يعني الحاجة إلى مئات آلاف العمليات بمجرد انتهاء الحرب.

ضعف التفاعل العربي: عزلة عن القضية الفلسطينية

انتقد أبو ستة ضعف التفاعل في العالم العربي، لاسيما في الجامعات والمؤسسات التعليمية، مؤكدًا أن هذه الحرب كشفت عزلة المجتمعات العربية عن القضية الفلسطينية، بل وغيابها عن التاريخ، مقارنة بما يجري من حراك غربي متقدم.

رسالة رمزية: انتخاب أبو ستة رئيسًا لجامعة غلاسكو

تحدث أبو ستة عن انتخابه رئيسًا لجامعة غلاسكو بنسبة تأييد تجاوزت 80% من الطلاب، معتبرًا أن ذلك يمثل رسالة رمزية مؤثرة، خصوصًا أن بلفور نفسه كان رئيسًا سابقًا لنفس الجامعة، وها هو أحد ضحاياه يعود إلى المنصب ذاته، في دلالة تاريخية عميقة.

السابع من أكتوبر: محاولة لقطع الطريق على تصفية القضية الفلسطينية

رأى أبو ستة أن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كانت محاولة لقطع الطريق على تصفية القضية الفلسطينية، لافتًا إلى أن الوضع في غزة قبل العملية كان يشير إلى قبول دولي باستمرار الحصار وتهميش النكبة، مما عزز الشعور بضرورة التحرك.

"الشعب الفلسطيني لن يرحل": صمود في وجه الترحيل القسري

ختم أبو ستة بالتأكيد على أن الشعب الفلسطيني لن يرحل، وأن اللاجئ الذي تذوّق مرارة النكبة لن يقبل بإعادة إنتاجها، مضيفًا أن من يعيشون في غزة يفضلون الموت الجسدي على الموت الاجتماعي المرتبط باللجوء، وأن هذه القناعة المتجذرة ستحول دون تمرير أي مشاريع ترحيل.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *