أجيال الصدمة: هل يخشى نتنياهو جيلًا شاهد الإبادة في غزة؟
في غزة المحاصرة، تتجسد مأساة الطفولة في كل تفصيل. طفل لم يتجاوز الثانية عشرة، يقف منهكًا أمام غالونين من الماء، يحاول جاهدًا حملهما إلى خيمته المتواضعة. جسده النحيل، الذي أنهكته الحرب ونقص التغذية، يكاد يعجز عن حمل هذا الثقل. يرفع وجهه إلى السماء، متضرعًا: "أعطني القوة يا الله". هذه اللحظة، التي وثقتها الكاميرا، ليست مجرد صورة عابرة، بل هي رمز للصمود والتحدي الذي يعيشه أطفال غزة.
النمو ما بعد الصدمة: نافذة أمل في قلب المعاناة
في عالم النفس، يبرز مفهوم "النمو ما بعد الصدمة" (Post-Traumatic Growth – PTG) كنقطة ضوء وسط الظلام. هذا المفهوم، الذي صاغه عالِما النفس ريتشارد تيديشي ولورانس كالهون، يشير إلى التغييرات الإيجابية التي يمكن أن تحدث في شخصية الفرد بعد تعرضه لأزمة كبيرة أو صدمة قاسية. فهل يمكن لهذا المفهوم أن يفسر صمود أطفال غزة؟
من "اضطراب ما بعد الصدمة" إلى "النمو": تحول في النظرة النفسية
تقليديًا، ركزت الدراسات النفسية على الآثار السلبية للصدمات، مثل "اضطراب ما بعد الصدمة" (PTSD). ومع ذلك، بدأت الأبحاث الحديثة تولي اهتمامًا متزايدًا بالجوانب الإيجابية التي يمكن أن تنجم عن هذه التجارب المؤلمة. يوضح ستيفن جوزيف، الأستاذ في كلية التربية بجامعة نوتنغهام، أن الشدائد لا تؤدي بالضرورة إلى اضطراب نفسي، بل يمكن أن تمثل نقطة انطلاق لبناء مستويات أقوى من الصلابة النفسية.
غزة: أرض الصمود والإيمان
الأستاذة الأسترالية ميشيل بيس، في ورقة بحثية نشرتها عام 2024، سلطت الضوء على نمط حياة شعب غزة قبل الحرب، وكيف أنهم "رغم الحصار والتضييق الخانق، كانوا يجدون وسائل للتكيف مع واقعهم المُعاش ووسائل بناء شبكات تضامن اجتماعية تسيّر حياة المجتمع". هذه القدرات، بالإضافة إلى البعد الإيماني العميق، تساهم في تعزيز صمودهم في وجه المحن.
البعد الإيماني: قوة دافعة للصبر والتحدي
لا يمكن تجاهل الدور الذي يلعبه الإيمان في تعزيز قدرة الأفراد والمجتمعات على مواجهة المصائب. في الدين الإسلامي، يُنظر إلى البلاء على أنه اختبار يتطلب صبرًا، ويعد الصابرين بمثوبة جزيلة. هذا الإيمان العميق يمنح الغزيين قوة إضافية لمواجهة التحديات والصمود في وجه الصعاب.
أطفال غزة: جيل الشجاعة والإصرار
خلال الإبادة الجماعية في غزة، قُتل أكثر من 16 ألف طفل فلسطيني. هؤلاء الأطفال، الذين شهدوا الموت والدمار والخراب، اختبروا معنى فقدان الأهل والأصدقاء والجيران، وعاشوا تحت وطأة الخوف والرعب. ورغم كل هذه المعاناة، فإن مفهوم "النمو ما بعد الصدمة" يوحي بإمكانية تحول هذه التجارب المؤلمة إلى قوة دافعة نحو الصلابة والقوة النفسية.
هل سيصبحون مقاتلين أم بناة؟
قد يصبح الطفل الذي شهد كل هذا العنف مقاوماً أكثر صلابة من سابقيه، أو قد يصبح قائداً ملهماً يسعى لبناء مجتمع أفضل. فكثير من مقاومي اليوم هم من أهالي الشهداء والأسرى والمصابين، وهم ممن قاسوا شخصياً، أو قاسى أهلهم المباشرون حروباً وتهجيراً وتضييقاً ممنهجاً حتى وجدوا في المقاومة خياراً ضرورياً لاسترداد الحق.
غزة تقاوم: خيارات البقاء في وجه الإبادة
في نهاية المطاف، لا يملك المجتمع الفلسطيني في غزة إلا خيارين: الاستسلام أو المقاومة. وغزة، بتاريخها الطويل من الصمود والتحدي، اختارت المقاومة. فهل سينجح هذا الجيل في تحويل الألم إلى قوة، والدمار إلى بناء، واليأس إلى أمل؟
النمو ما بعد الصدمة: عملية تغيير لا مجرد نتيجة
يشدد ستيفن جوزيف على أن النمو ما بعد الصدمة هو "عملية تغيير وليس فقط نتيجة تلقائية للتغيير". فهو يتطلب تحديًا واستعدادًا نفسيًا عاليًا، بالإضافة إلى بيئة داعمة ومحفزة. فهل سيوفر المجتمع الدولي الدعم اللازم لأطفال غزة لمساعدتهم على تجاوز هذه المحنة وبناء مستقبل أفضل؟


اترك تعليقاً