في رواية "حارة الصوفي" للكاتب محمد عبد العال الخطيب، الصادرة عام 2024، نغوص في أعماق فترة تاريخية معقدة لم تحظ بالكثير من الاهتمام في الأدب العربي: مرحلة ما بعد الثورة المهدية في السودان. تستكشف الرواية مصير السودانيين الذين اضطروا إلى الهجرة إلى مصر والاستقرار في "حارة الصوفي"، لتصبح هذه الحارة ليست مجرد مكان، بل بؤرة للصراع والهوية.
المكان كشخصية رئيسية
لا تقتصر "حارة الصوفي" على كونها مساحة جغرافية، بل هي المحرك الأساسي للأحداث. إنها نقطة الانطلاق التي تُطلق منها "سيرة آخر سلاطين الجنوب"، كما يوحي العنوان الفرعي للرواية. هذا الاختيار لكلمة "الجنوب" بدلًا من "السودان" يحمل دلالة عميقة، مسلطًا الضوء على الوحدة الضائعة بين مصر والسودان.
صراع الهويات والتوترات
منذ الصفحات الأولى، تتناول الرواية التوتر القائم بين المصريين والسودانيين. يتجسد هذا التوتر في رفض زواج "قمر" السودانية من "سلاطين" المصري، ليعكس بذلك حقبة سياسية ما زالت عالقة في أذهان السودانيين، حتى بعد سنوات من الحرب المصرية على السودان بقيادة بريطانية.
هذا التوتر يتصاعد ويتجلى على مستويات مختلفة، سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو حتى العاطفي. فـ "نمر" السوداني يحمل في قلبه نار الانتقام لما فعله الدفتردار بجده، مدفوعًا برغبة في الثأر لكل سوداني دُفن قسرًا في مقابر الشافعي بجوار قاتليهم، ليقرر تفجير فندق "شبرد" الشهير.
إن رغبة "سلاطين" في الانتقام من أحفاد الشافعي، وانتقام "عفيفة" من "قمر"، وانتقام "الكرداوي" من "سلاطين"، ليست سوى تجليات لحرب بشرية ضروس، حيث لكل شخص دوافعه الخاصة، والتي لا تكون دائمًا صائبة أو مبررة.
الاستعمار كلاعب خفي
لا تغفل الرواية عن التأثير المدمر للاستعمار البريطاني على الحياة المشتركة بين السودانيين والمصريين. تعود بنا الأحداث إلى الوراء، لمعالجة الثورة العرابية وتقاطعها مع الثورة المهدية، وكيف لعبت بريطانيا دورًا محوريًا في تقسيم البلدين لضمان سيطرتها على خيرات الشمال والجنوب.
شخصيات حقيقية ومتخيلة
تزخر الرواية بشخصيات متنوعة، بعضها حقيقي من التاريخ، مثل المهدي وسليمان الحلبي، والبعض الآخر متخيل، مثل سلاطين وقمر. تتنوع الشخصيات أيضًا من حيث التطور، حيث نجد شخصيات نامية وأخرى مسطحة، لكن كل منها يخدم التدفق السلس للأحداث.
- شخصيات نامية: سلاطين والكرداوي هما أبرز الشخصيات التي شهدت تطورًا ملحوظًا. سلاطين يمر بتحولات جذرية بعد اكتشاف أصوله السودانية وأنه ابن المهدي. أما الكرداوي، فيتحول من طالب علم إلى شيخ ذي كرامات، ثم إلى متورط في عملية اغتيال السلطان.
- شخصيات مساعدة: تلعب شخصيات مثل عفيفة وقمر وخير أدوارًا حاسمة في دفع الأحداث إلى الأمام، حتى وإن لم تكن نامية بشكل كامل.
الرمزية العميقة
تستخدم الرواية الرمزية ببراعة على مستويات مختلفة.
- قلادة سلاطين: تحمل صورة مسجد في السودان، وتجسد الهوية والانتماء.
- النبتة الذهبية: تمثل البوصلة التي تقود سلاطين إلى قبر أمه.
- ورقة الكوتشينة: تكشف حقيقة أصول سلاطين المهداوية.
- كلبة راسيل البريطاني: تُستخدم كإسقاط أخلاقي على حرية يمنحها الاستعمار حتى للحيوانات، بينما يسلبها من البشر.
السرد غير الخطي والتشويق
يعتمد الكاتب على أسلوب التشظي الزمني، أو السرد غير الخطي، متنقلًا بين أزمنة وشخصيات مختلفة. هذه التقنية تضفي على الرواية نوعًا من التشويق وتثير علامات استفهام تبقى معلقة حتى قرب النهاية.
اللغة والمآخذ
تتميز لغة الرواية بالسلاسة والوضوح، مع بعض الأخطاء اللغوية الطفيفة التي يمكن التغاضي عنها نظرًا لثقل العمل على مستوى اللغة والمضمون.
بالإضافة إلى ذلك، توجد بعض المشاكل الطفيفة في الحبكة وسير الأحداث، مثل عدم تبرير رسالة توفيق صاحب البنسيون لمرسي التُربي، وعدم منطقية بعض التفاصيل المتعلقة بالكرداوي.
الخلاصة
"حارة الصوفي" رواية جريئة ومختلفة تطرح قضايا حساسة وتؤرخ لمرحلة دقيقة من التاريخ المصري السوداني. إنها صرخة مدوية تدعونا إلى التعلم من أخطاء الماضي وبناء مستقبل أفضل. على الرغم من بعض الهفوات الطفيفة، تبقى الرواية عملًا أدبيًا قيمًا يستحق القراءة والتمعن.


اترك تعليقاً