حدود التحالف “الاضطراري”: هل تضحي الصين بمصالحها العالمية من أجل إنقاذ إيران؟

حدود التحالف “الاضطراري”: هل تضحي الصين بمصالحها العالمية من أجل إنقاذ إيران؟

بينما تواجه طهران واحدة من أكثر فتراتها حرجاً منذ عقود، تتجه الأنظار نحو بكين، الحليف الذي طالما اعتبرته إيران "شريان الحياة" الوحيد في وجه العزلة الدولية. إلا أن تقريراً حديثاً نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" يكشف عن حقيقة مغايرة؛ فالعلاقة بين البلدين ليست تحالفاً استراتيجياً غير مشروط، بل هي معادلة اقتصادية دقيقة يحكمها الحذر الصيني الشديد من تضرر مصالحها مع الغرب.

طهران في مهب الريح: أزمات داخلية وضغوط خارجية

تمر الجمهورية الإسلامية بمرحلة توصف بأنها الأصعب منذ تأسيسها قبل نحو 47 عاماً. فإلى جانب العقوبات الغربية الخانقة، يعاني الداخل الإيراني من تدهور اقتصادي حاد واحتجاجات شعبية متواصلة. في هذا السياق، كانت الرهانات الإيرانية تنصبُّ دوماً على الدعم الصيني لكسر الحصار، لكن الواقع الجيوسياسي يثبت أن لبكين حسابات أخرى لا تتوافق دائماً مع طموحات طهران.

لغة الأرقام: لماذا لا تمثل إيران أولوية قصوى للصين؟

رغم أن الصين هي المشتري الأول للنفط الإيراني (حيث تستحوذ على حوالي 90% من صادراته)، إلا أن نظرة فاحصة على الاقتصاد الصيني تكشف أسباب التردد:

  • تنوع المصادر: النفط الإيراني لا يشكل سوى 12% فقط من إجمالي واردات الصين النفطية، وهي نسبة يمكن تعويضها بسهولة من دول أخرى في حال تصاعدت الضغوط.
  • حجم التجارة العالمي: تبلغ تجارة الصين مع العالم نحو 6 تريليونات دولار، بينما يمثل التبادل التجاري مع إيران جزءاً ضئيلاً جداً لا يستحق المخاطرة بخسارة الأسواق الكبرى.
  • اتفاقيات معطلة: اتفاقية التعاون الاستراتيجي التي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار ولمدة 25 عاماً لا تزال حبراً على ورق في معظم بنودها، خوفاً من العقوبات الأمريكية الثانوية.

"عصا" ترامب والتعريفات الجمركية

يبرز اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كعامل حسم في هذه العلاقة؛ فتهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية تصل إلى 25% على الدول التي تتعامل مع إيران وضعت بكين في مأزق.
إذا استمرت الصين في تحدي العقوبات، فقد تواجه سلعها الموجهة لأمريكا تعريفات إجمالية تصل إلى 45% (بإضافة النسبة الجديدة إلى الـ 20% الحالية)، وهو ثمن باهظ لا يبدو أن التنين الصيني مستعد لدفعه من أجل "صداقة" معزولة.

الأمن والتحالفات: استعراض دبلوماسي لا دفاعي

انضمت إيران مؤخراً إلى تكتلات تقودها الصين مثل "بريكس" و "منظمة شنغهاي للتعاون"، وشاركت في مناورات عسكرية مشتركة. ومع ذلك، يرى المحللون أن هذه الخطوات تظل في إطار "القوة الناعمة" والرمزية السياسية، للأسباب التالية:

  1. غياب الدعم الفعلي: لم تترجم هذه التحالفات إلى دعم عسكري أو سياسي ملموس عندما تعرضت إيران لضربات مباشرة.
  2. الحياد الحذر: تحرص بكين على عدم الانزلاق في صراعات الشرق الأوسط بشكل قد يضر بعلاقاتها مع دول المنطقة الأخرى أو مع القوى الغربية.

الرؤية الصينية الداخلية: "لن نتلقى الرصاص نيابة عن أحد"

لا يقتصر الحذر على المستوى الرسمي فقط، بل يمتد إلى الداخل الصيني؛ حيث تعكس منصات التواصل الاجتماعي والآراء البحثية حالة من التبرم تجاه المطالب الإيرانية.
وينقل تقرير "وول ستريت جورنال" عن باحثين متخصصين أن النزعة القومية الصينية الحالية ترى بوضوح أن مصالح الصين القومية والاقتصادية تأتي أولاً، وأنه لا ينبغي لطهران أن تتوقع من بكين التضحية باستقرارها الاقتصادي أو الدخول في مواجهات مباشرة لحماية حلفاء "غير مستقرين".

الخلاصة

تكتشف إيران اليوم أن "الاستدارة شرقاً" ليست حلاً سحرياً؛ فبكين شريك تجاري براجماتي بامتياز، وليست حليفاً أيديولوجياً مستعداً لخوض معارك الآخرين. وفي ظل التهديدات الاقتصادية الأمريكية الجديدة، يبدو أن الصداقة الصينية الإيرانية قد وصلت بالفعل إلى حدودها القصوى.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *