حرب المسيرات في السودان: استراتيجية حميدتي لتقويض الاستقرار أم اعتراف بالهزيمة؟

حرب المسيرات في السودان: استراتيجية حميدتي لتقويض الاستقرار أم اعتراف بالهزيمة؟

مقدمة

مع بداية ربيع هذا العام، شهدت ساحة المعارك في السودان تحولاً ملحوظاً، حيث لجأت قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى استخدام مكثف للطائرات المسيرة بعد سلسلة من الهزائم الميدانية. هذا التحول يثير تساؤلات حول استراتيجية حميدتي وأهدافها، وهل هي محاولة لتقويض الاستقرار وإطالة أمد الصراع، أم اعتراف ضمني بمحدودية قدرات قواته على الأرض؟

تحول استراتيجي: من الهزيمة الميدانية إلى حرب المسيرات

بعد دحر قوات الدعم السريع من الخرطوم في مارس/آذار الماضي، واستعادة الجيش السوداني للقصر الجمهوري، لم يستسلم حميدتي. بفضل علاقاته الإقليمية، وتحالفاته القبلية، والموارد المالية التي يسيطر عليها، تمكن من نقل الحرب إلى مرحلة جديدة: حرب الطائرات المسيرة.

فقد بدأت قوات الدعم السريع، التي تلقت ضربات موجعة على الأرض، في شن هجمات مكثفة وغير مسبوقة باستخدام الطائرات المسيرة على مناطق كانت تعتبر آمنة سابقًا، مما يهدد بتغيير مسار الحرب أو نقلها إلى مرحلة جديدة ومصيرية.

استهداف البنية التحتية: تكتيك "الأرض المحروقة"؟

لم يقتصر استخدام الطائرات المسيرة على المناطق المتنازع عليها. بل امتد ليشمل البنية التحتية الحيوية التي تخدم المدنيين، مثل سد مروي ومحطة كهرباء عطبرة، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع وتأثيرات كارثية على المستشفيات ومحطات المياه والحياة المدنية.

  • سد مروي: في يناير/كانون الثاني الماضي، قصفت طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع أكبر سد كهرومائي في البلاد، مما أدى إلى إتلاف المحولات وانقطاع التيار الكهربائي في مناطق واسعة من شمالي السودان.
  • محطة كهرباء عطبرة: في 25 أبريل/نيسان الماضي، استهدفت طائرات مسيرة محطة كهرباء عطبرة الفرعية، مما تسبب في اندلاع حريق كبير وقطع للتيار الكهربائي عن ولايتي نهر النيل والبحر الأحمر.

هذه الهجمات تسلط الضوء على استراتيجية قوات الدعم السريع المتمثلة في استخدام الطائرات المسيرة لضرب البنية التحتية الحيوية، بهدف تقويض قدرة الحكومة المركزية على الحكم وشن الحرب، وجعل المناطق الآمنة غير قابلة للحياة.

حرب نفسية وزعزعة الاستقرار

تهدف قوات الدعم السريع من خلال هذه الهجمات إلى تحقيق عدة أهداف:

  • إثبات أنه حتى لو سيطرت القوات المسلحة السودانية على مدن مثل الخرطوم أو بورتسودان، فإنها لا تستطيع تأمينها بالكامل من هذه الهجمات.
  • زعزعة استقرار شرقي وشمالي السودان، وإرسال رسالة مفادها أنه حتى لو خسرت الخرطوم، فإن القوات المسلحة السودانية لا يمكنها الادعاء أنها انتصرت في الحرب.
  • استنزاف دفاعات القوات المسلحة السودانية وتقويض قدرتها على تعزيز أو إعادة إمداد القوات.

تكتيكات متطورة: من المسيرات الانتحارية إلى الطائرات الصينية المتطورة

تستخدم قوات الدعم السريع مجموعة متنوعة من الطائرات المسيرة، بما في ذلك:

  • المسيرات الانتحارية: طائرات صغيرة الحجم نسبياً، تحلق فوق منطقة الهدف، وحينما تجد فرصة توجه إليه ضربة وكأنها قذيفة. تستخدم هذه الطائرات بتكتيك عسكري واضح، حيث يتم إطلاق موجة أولى من المسيرات الانتحارية لتشتيت الدفاعات الجوية، قبل إرسال مسيرة "إستراتيجية" أكبر حجمًا لاختراق التحصينات وضرب الهدف ذي القيمة العالية.
  • طائرات مسيرة قتالية أكبر حجمًا وبعيدة المدى: يُعتقد أنها صينية الصنع من طراز "سي إتش-95" (CH-95)، وهي طائرات متطورة قادرة على المراقبة والضربات الدقيقة على مسافات تصل إلى 200 كيلومتر أو أكثر.

ردود فعل الجيش السوداني وتكيّفه مع التهديد

في مواجهة تهديد مسيرات قوات الدعم السريع، لجأت القوات المسلحة السودانية إلى التكيّف مع هذا التهديد من خلال دفاعات وتكتيكات خاصة بها لمواجهة الطائرات المسيرة.

  • نيران مضادات الطائرات: استخدام نيران مضادات الطائرات لاعتراض وإسقاط العديد من الطائرات المسيرة القادمة.
  • إعادة نشر أنظمة دفاع جوي قصيرة المدى: إعادة نشر أنظمة دفاع جوي قصيرة المدى في مواقع مستهدفة محتملة لتعزيز قدراتها على اعتراض الطائرات المسيّرة.
  • تدابير الحرب الإلكترونية: استخدام تدابير الحرب الإلكترونية، مثل تشويش الإشارات وأجهزة كشف الترددات الراديوية لتعطيل توجيه الطائرات المسيّرة.
  • ضربات استباقية: توجيه ضربات استباقية لقواعد الطائرات المسيّرة التابعة لقوات الدعم السريع، مثل قصف مطار نيالا.
  • استخدام أسطول الطائرات المسيرة الخاص بالجيش: إجراء عمليات مراقبة جوية لرصد أنشطة إطلاق طائرات الدعم السريع، بل ومحاولة إسقاطها أثناء تحليقها.

المخاطر الإقليمية وتوسيع نطاق الصراع

تخاطر حملة الطائرات المسيرة بتوسيع البعد الإقليمي للصراع، حيث لاحظ جيران السودان والداعمون الدوليون قدرة قوات الدعم السريع على ضرب مدينة ساحلية على البحر الأحمر. هذا التصعيد يوسع النطاق الجغرافي والاستراتيجي للحرب، ويعمق التوترات الإقليمية بنقلها الحرب حرفيا إلى أبواب دول مثل المملكة العربية السعودية ومصر عبر البحر الأحمر.

هل هي استراتيجية "شمشون"؟

هل تشبه قوات الدعم السريع في السودان، في جانب من سلوكها اليوم، شمشون وقد فقد بوصلته؟ ربما يمثل ذلك جانبًا من حرب قوات الدعم السريع بالمسيرات، فجزء مهم منها يضغط عن عمد على حياة السودانيين أنفسهم.

وكأنها، بعد أن هُزمت واستُبعدت من مركز السلطة ويئست من العودة، قررت أن لا تبقي شيئًا ولا تذر، وكانت المسيّرات هي السلاح الذي استخدمته قوات حميدتي في محاولة منها لهدم المعبد على رؤوس الجميع.

خاتمة

في ظل هذه التطورات المتسارعة، يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح استراتيجية حرب المسيرات في تحقيق أهداف قوات الدعم السريع، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من التصعيد وإطالة أمد الصراع؟ يبقى الجواب رهنًا بتطورات الأحداث على الأرض، وقدرة الجيش السوداني على التكيف مع هذا التهديد الجديد، والجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في السودان.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *