# حقيقة الدنيا: من هم الجادون حقاً في ميزان القرآن الكريم؟
يستيقظ الناس كل صباح، يهرعون إلى أعمالهم، تتسارع خطى أقدامهم في الأسواق، وتضج المطارات بالمسافرين، وتمتلئ المكاتب بالموظفين المنهمكين خلف شاشاتهم. وجوهٌ يكسوها الحزم، وملامح يطغى عليها الجد، وصراعات تُخاض من أجل درهم أو دينار، أو منصب أو جاه. ولكن، خلف هذا الضجيج الصاخب وهذا الحزم الظاهري، يضع القرآن الكريم ميزاناً إلهياً يقلب كل الموازين البشرية، ويحدد لنا من هو “الجاد” حقاً ومن هو “اللاعب” وإن بدا في قمة وقاره.
الحكم الإلهي الصارم: وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو
يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ}. لقد نص الله سبحانه وتعالى على هذا المعنى العظيم في القرآن الكريم أربع مرات، وهذا التكرار ليس مجرد تأكيد لفظي، بل هو تنبيه للغافلين، واستنهاض للعقول التي استغرقتها الماديات، ليدرك الإنسان جوهر وجوده ومآل سعيه.
إن توصيف الدنيا بأنها “لعب ولهو” ليس انتقاصاً من قيمة العمل أو السعي في الأرض، بل هو توصيف لحقيقة المتاع الدنيوي إذا ما عُزل عن الغاية الأخروية. اللعب في حقيقته هو الشيء الذي تقتصر لذته على لحظة ممارسته نفسها، ثم تذهب هذه اللذة بذهاب اللعب، ولا تترك أثراً باقياً ينفع صاحبه في مآله الأبدي.
بصيرة المفسرين في حقيقة الانشغال الدنيوي
لقد غاص علماؤنا الأجلاء في أعماق هذا الوصف القرآني ليخرجوا لنا بكنوز من الفهم. يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسير كون الدنيا لعباً: “لأنها عما قليل تزول عن المستمتع بها والمتلذذِ فيها بملاذّها، أو تأتيه الأيام بفجائعها وصروفها، فَتُمِرُّ عليه وتكدُر، كاللاعب اللاهي الذي يسرع اضمحلال لهوه ولعبه عنه، ثم يعقبه منه ندمًا، ويُورثه منه ترحًا”.
هذا التصوير الدقيق يوضح لنا أن الدنيا مهما بلغت زينتها، فهي كفقاعة الصابون، تلمع بألوان الطيف للحظات، ثم تتلاشى في الهواء تاركة يداً فارغة. أما الإمام البغوي رحمه الله، فقد لخص الحقيقة بكلمات موجزة وقوية حين قال: “لا بقاء لها”. ومن هنا نفهم أن كل عمل دنيوي لا يمتد أثره ونفعه إلى الآخرة، فهو داخل في دائرة اللعب، مهما كان صاحبه يبدو جاداً في نظر الخلق.
الأرجوحة الكبيرة: حين يتحول الكبار إلى لاعبين
حين نتأمل مشهد الطفل وهو يتأرجح في الأرجوحة، نرى ملامح الفرح والتركيز الشديد منه على تلك الحركة الترددية، لكننا نعلم يقيناً أنه في حالة “لعب”، لأنه بمجرد نزوله من الأرجوحة، لن يجد في يده شيئاً ملموساً بناه أو حققه.
هذا المشهد يتكرر يومياً في عالم الكبار ولكن بصور أكثر تعقيداً:
1. في الأسواق: تلك الصفقات الضخمة والمساومات الشرسة، إذا خلت من نية صالحة، هي محض لعب.
2. في الوظائف: السعي خلف الترقيات والمناصب لذات المنصب فقط، هو دوران في أرجوحة وظيفية.
3. في النزاعات والخصومات: تلك الحروب الكلامية والقانونية من أجل حطام زائل، هي قمة اللهو.
4. في الشهادات والأسفار: إذا كانت للمفاخرة والتعالي أو لمجرد قطع الوقت، فهي رحلة في فضاء اللعب.
إن الضجيج الذي نراه في المطارات، والزحام في المتاجر، والصرامة في قاعات الاجتماعات، قد لا يعدو كونه “أرجوحة للكبار”. يتحركون فيها ذهاباً وإياباً، يكدون ويتعبون، ولكن إذا لم تكن وجهتهم هي الدار الآخرة، فهم في الحقيقة يلعبون.
من هم الجادون حقاً؟
الجادون في ميزان الله ليسوا هم أصحاب الوجوه العابسة أو القلوب المنغلقة، بل هم الذين ربطوا حبال أعمالهم الدنيا بعروة الآخرة الوثقى. الجاد هو من أدرك أن الدنيا وسيلة لا غاية، وممر لا مستقر.
تتجلى صفات الجادين في الآتي:
- ارتباط العمل بالنية: الجاد يبيع ويشتري، لكنه في قرارة نفسه يريد الاستعانة بهذا المال على طاعة ربه، وإعالة أسرته، والصدقة على الفقراء.
- الاستجابة للأمر الإلهي: الجاد يعمل ويتوظف ليس فقط لجمع المال، بل استجابة لأمر ربه بالسعي في الأرض، وكف النفس عن سؤال الخلق، وحفظ كرامة أهله وولده.
- تحويل العادة إلى عبادة: الجاد يستطيع بصدق نيته أن يجعل نومه، وأكله، ورياضته، وفسحته مع أهله أعمالاً صالحة تُكتب في صحيفته، لأنه يقصد بها التقوي على طاعة الله وإدخال السرور على قلوب المسلمين.
- الاستعداد للرحيل: الجاد يعمر دنياه وهو يعلم أنه مفارقها، فيبني فيها ما ينفعه هناك، كما قال الحسن البصري: “رحم الله امرأً جعل لعيشه قواماً، ولمعاده زاداً”.
- رجلان يقفان في متجر؛ أحدهما يبيع ليجمع حطاماً يفاخر به الناس، فهو في “لعب” وإن ربح الملايين.
- والآخر يبيع ليغني نفسه عن الحرام وليتصدق بفضل ماله، فهو في “جد” عظيم وإن كان ربحه دراهم معدودة.
- هل نحن جادون في سعينا، أم أننا غارقون في “أرجوحة الكبار”؟
- هل أعمالنا اليومية متصلة بالآخرة، أم أنها تنتهي بمجرد غروب شمس اليوم؟
- هل نتقي الله في مكاسبنا وخصوماتنا، أم أننا نسينا أن الدار الآخرة هي “خير للذين يتقون”؟
الفرق الجوهري بين الجد واللعب
إن الفرق بين العمل الذي هو “لعب” والعمل الذي هو “جد” لا يكمن في شكل العمل الخارجي، بل في القصد الكامن في القلب.
إن ملامح الجد والحزم والصرامة التي نراها في المعاملات والخصومات والنجاحات، إن كانت للدنيا فقط فهي لعب، وإن بدت في غاية الجدية. فما قيمة النجاح في بناء قصر على رمال الشاطئ قبل لحظات من مد البحر؟ هذا هو حال من يبني مجداً دنيواً صرفاً بعيداً عن تقوى الله.
دعوة للتعقل والاستبصار
يختم الله عز وجل الآية الكريمة بقوله: {أَفَلَا تَعۡقِلُونَ}. إنه نداء للعقل البشري ليتحرر من أسر المشاهد المادية الزائلة. إن العقل الحقيقي هو الذي يدرك مآلات الأمور، ولا ينخدع ببريق البدايات.
إننا مدعوون اليوم لإعادة تقييم مسارات حياتنا:
الخاتمة: نحو حياة جادة ومثمرة
إن إدراك حقيقة الدنيا بأنها لعب ولهو لا يدعو للخمول أو ترك العمل، بل يدعو إلى “تجويد العمل” وربطه بالخالق. الجادون هم الذين يمشون على الأرض وقلوبهم معلقة بالعرش. هم الذين يحولون كل حركة وسكون إلى رصيد في بنك الآخرة.
فلنكن من الجادين الذين يستثمرون في الباقيات الصالحات، ولنحذر أن تسرقنا تفاصيل الدنيا الصغيرة عن غايتنا الكبرى. فالدنيا ساعة، فاجعلها طاعة، والنفس طماعة، فعلمها القناعة. واعلم أن كل ما تراه من ضجيج سيسكن يوماً، ولن يبقى إلا ما كان لله، فإنه هو الجد الذي لا يعقبه ندم، والربح الذي لا يخالطه خسران.

اترك تعليقاً