حكم إنكار النعمة: احذر الشرك الخفي في ألفاظك اليومية

# خطورة إنكار النعمة ووجوب نسبتها إلى المنعم جل وعلا

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:

فإن نعم الله على عباده تترى، وآلاءه لا تُحصى، وفضله عظيم لا يستقصى. وإن من أعظم مقامات العبودية التي ينبغي للمسلم أن يحققها هي مقام “الشكر”، وضده هو “الإنكار والجحود”. وللأسف، يقع الكثيرون في صورٍ خفية من إنكار النعمة وهم لا يشعرون، مما يخدش في كمال توحيدهم ويوقعهم في دائرة الشرك الأصغر أو الجحود المذموم.

التحذير الرباني من إنكار النعمة

يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل، واصفاً حال الذين غرتهم الدنيا وأعمتهم الأسباب عن مسببها: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) [النحل: 83]. هذه الآية الكريمة، التي جاءت في سورة النحل -والتي يسميها العلماء سورة النعم- تضعنا أمام حقيقة شرعية خطيرة، وهي تحريم إنكار النعمة وبيان حكم من أنكرها بأنه سلك سبيل الكافرين.

إن الله عز وجل، بعد أن استعرض في هذه السورة العظيمة جملة من آلائه، من خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء، وتسخير الأنعام، وجعل البيوت سكناً، أخبرنا بصفة هؤلاء الذين يقابلون هذا العطاء بالجحود. فهم يعرفون بقلوبهم وبفطرتهم أنها من الله، ولكنهم بألسنتهم وأفعالهم ينكرونها وينسبونها لغيره، فاستحقوا بذلك وصف الكفر بنعمة الله.

ما هو مفهوم إنكار النعمة؟

إن إنكار النعمة -أيها المسلم- ليس مجرد كلمة تقال باللسان فحسب، بل هو مفهوم واسع يشمل ثلاثة جوانب أساسية:

1. استعمال النعمة في معصية الله: فمن أعطاه الله مالاً فأنفقه في الحرام، أو أعطاه صحة فاستغلها في الظلم، فقد أنكر نعمة الله عليه فعلياً.
2. عدم نسبة النعمة إلى صاحبها: وهو الله جل جلاله، فمن نسب نجاحه أو رزقه لذكائه فقط أو لجهده المحض دون ذكر فضل الله، فقد وقع في المحظور.
3. الاعتقاد القلبي بأنها ليست من الله: وهذا أشد الأنواع، حيث يعتقد المرء أن هذه النعم هي حق مكتسب له أو أنها جاءت بمحض الصدفة أو بفعل الطبيعة.

إن هذه الآية توجب علينا التأدب التام مع جناب الربوبية، والاحتراز من الألفاظ الشركية الخفية التي تجري على الألسنة، كنسبة النعم إلى غير الله، فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده تماماً هو باب الشكر الذي هو قيد النعم القائمة وجالب النعم المفقودة.

الشكر والذكر في السنة النبوية

لقد جاءت السنة المطهرة لترسخ معنى الاعتراف بالجميل ونسبته لله أولاً ثم لمن أجراه الله على يديه. روى ابن حبان في صحيحه عن جابر -رضي الله عنه- مرفوعاً: “مَن أوتي معروفاً فلم يجدْ له جزاءً إلا الثناءَ فقد شكَره، ومَن كتمَه فقد كفَره”.

وفي سند جيد لأبي داود: “من أبلى بلاءً فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره”. وقد أوضح الإمام المنذري رحمه الله معنى “من أبلى” أي: من أنعم الله عليه، فالإبلاء هنا هو الإنعام. فإذا كان ذكر المعروف الذي يقدره الله تعالى على يد إنسان من شكره سبحانه، فكيف بذكر معروف رب العالمين وآلائه وإحسانه؟ إن نسبة الفضل لله وحده هي أولى وأحرى بكل مسلم.

صور من إنكار النعمة في الأقوال والأفعال

لقد حذر العلماء من صور دقيقة لإنكار النعمة، منها إضافة المال إلى غير الله سبحانه وتعالى. كأن يقول الرجل: “هذا مالي ورثته عن أبي”، مجرداً القول من نسبة الفضل لله. وقد ذكر العلماء أن هذه كانت صفة كفار قريش؛ فقد كانوا يعرفون ما رزقهم الله من البيوت والسرابيل، ولكنهم يضيفونها لغير الله.

يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في هذا السياق ما معناه: “لما أضافوا النعمة إلى غير الله؛ فقد أنكروا نعمة الله بنسبتها إلى غيره؛ فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله عليه غير معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما فأنكراها، وقالا: إنما ورثنا هذا كابراً عن كابر”.

وتأملوا معي -يا عباد الله- كيف أن كونهما ورثا المال عن آبائهما هو في الحقيقة أبلغ في إنعام الله عليهما؛ إذ أنعم الله بها على الآباء ثم أورثها للأبناء، فتمتع الجميع بفضل الله، لكن الجحود أعمى بصائرهم فأنكروا المنعم.

الشرك الخفي في ألفاظنا المعاصرة

إن من أخطر صور إنكار النعمة ما يتكلم به كثير من الناس في وقتنا الحاضر، وهي ألفاظ قد تبدو بسيطة لكنها تمس جوهر التوحيد، مثل:

  • “لولا فلان لكان كذا”.
  • “لولا السائق الحاذق لانقلبت بنا السيارة”.
  • “لولا تدخل النجدة لهرب اللص”.
  • “لولا الطبيب لفلان لمات”.

هذه الأقوال تشبه قول القائل في الجاهلية: “لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص”، أو “لولا البط في الدار لأتانا اللصوص”. وقد جعل حبر الأمة ابن عباس -رضي الله عنهما- هذا النوع من الكلام من الشرك الأصغر.

فكيف نصحح هذه الألفاظ؟
يجب على المسلم أن يتنبه، فإذا أراد ذكر السبب فليقل: “لولا الله ثم فلان”، أو “لولا الله ثم السائق”. فهذه الصيغة (بـ “ثم”) لا بأس بها لأنها تفيد الترتيب والتعقيب وتجعل الفضل الأول لله. والأكمل والأعظم في التوحيد أن يقول: “لولا الله وحده”، فهو الذي نجانا، وهو الذي سخر لنا الأسباب، وهو الذي أجرى الرياح وسخر العقول.

قصة الملاح وحذقه: درس في التوحيد

ذكر الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب -رحمهم الله- تعقيباً على قول الناس: “كانت الريح طيبة، والملاح حاذقاً”؛ فإذا نجوا من البحر نسبوا السلامة لطيب الريح وحذق قائد السفينة.

يقول رحمه الله: “المعنى أن السفن إذا جرين بريح طيبة بأمر الله جرياً حسناً، نسبوا ذلك إلى طيب الريح وحذق الملاح في سياسة السفينة، ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة بهم”. واستشهد بقوله تعالى: (رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [الإسراء: 66].

إن نسبة النجاة للريح أو للسائق هي من جنس نسبة المطر إلى الأنواء (النجوم). وحتى لو كان المتكلم لا يقصد أن الريح هي الخالقة، بل يقصد أنها سبب، فإنه لا ينبغي إضافة النعمة إلا لله وحده؛ لأن الله لو شاء لسلب هذه الأسباب فاعليتها، فتعطلت الريح وعجز الملاح. فمن قلة الأدب مع المنعم أن ينسى العبد من بيده ملكوت كل شيء ويشكر السبب وينسى المسبب.

كيف نحقق شكر النعمة؟

إن تحقيق الشكر يقتضي منا أموراً عدة:
1. الاعتراف بالنعمة باطناً: أن يوقن قلبك أن كل ما بك من نعمة فمن الله وحده.
2. التحدث بها ظاهراً: بنسبتها إلى الله والثناء عليه بها، كما قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53].
3. صرفها في مرضاته: فلا تستخدم مال الله في معصيته، ولا سمعك ولا بصرك فيما يغضبه.
4. الإحسان إلى الخلق: لا ينافي شكر الله أن تشكر الناس الذين كانوا سبباً، ولكن شكرهم يكون بالدعاء لهم والمكافأة، مع بقاء القلب معلقاً بأن المعطي الحقيقي هو الله.

لقد امتن الله على الناس بنعمه، ثم نهاهم أن يجعلوا له أنداداً في الألفاظ أو الاعتقاد، فقال سبحانه: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 22]. أي تعلمون يقيناً أنها من عند الله وحده.

العلاج النبوي للوقوع في الشرك الخفي

أيها المسلمون، إن الشرك في الألفاظ قد يجري على اللسان من غير قصد، وهو أخفى من دبيب النمل. ولذلك دلنا النبي صلى الله عليه وسلم على الكفارة والعلاج، فقد أرشدنا إلى هذا الدعاء العظيم: “اللهم إني أعوذُ بك أن أُشرِكَ بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرُك من الذنبِ الذي لا أعلم” (رواه أحمد).

فلنحرص على هذا الدعاء، ولنراقب كلماتنا، ولنحذر من الحلف بغير الله كقول البعض “والنبي” أو “وحياتك”، فإنها من صور الشرك التي تخدش التوحيد وتنافي كمال الشكر.

خاتمة:
إن العبد بين نعم تستوجب الشكر، وذنوب تستوجب الاستغفار. فاحذروا أن تكونوا من الذين قال الله فيهم: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) [العاديات: 6]، والكنود هو الذي يعدد المصائب وينسى النعم.

نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الشاكرين الذاكرين، وأن يجنبنا الزلل في الأقوال والأعمال، وأن يسدد ألسنتنا لتوحيده وشكره. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *