مقدمة: روحانية الليالي الرمضانية وعطش الأرواح للقيام
مع إشراقة شمس العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، تشرئب أعناق المؤمنين نحو نيل رضا الله عز وجل، وتتحفز الهمم لاستباق الخيرات في تلك الليالي المعدودات التي فيها ليلة هي خير من ألف شهر. وفي غمرة هذا التسابق الإيماني، يبرز تساؤل فقهي وروحي يتردد على ألسنة الكثير من القاصدين لبيوت الله: ما حكم العودة إلى المساجد لأداء ما يسمى بـ “صلاة التهجد” بعد الفراغ من صلاة التراويح في أول الليل؟ وهل هذا الفعل يستند إلى أصل أصيل من سنة المصطفى ﷺ أو نهج الخلفاء الراشدين المهديين؟
إن هذا المقال يسعى لاستجلاء الحقيقة الشرعية، مستنداً إلى الأدلة النقلية والعقلية، ليبدد الحيرة ويضع النقاط على الحروف في مسألة تشغل بال المصلين في مشارق الأرض ومغاربها، بأسلوب يجمع بين دقة الفقه وعذوبة الوعظ.
أولاً: مفهوم التهجد والفرق بينه وبين مطلق القيام
قبل الولوج في تفاصيل الحكم، لا بد لنا من وقفة لغوية وشرعية مع لفظ “التهجد”. ففي محكم التنزيل، يقول الله تبارك وتعالى لنبيه الكريم: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء: 79]. والتهجد في لسان العرب لا يسمى تهجداً إلا إذا كان صلاةً بعد نوم؛ فالهجود هو النوم، والتهجد هو طرح النوم والقيام للصلاة.
من هنا، فإن الأفضلية الشرعية لمن أراد إحياء الليل أن يجعل صلاته بعد رقدة، لينشط الجسد وتصفو الروح. ومع ذلك، فإن الفقهاء والعلماء أكدوا أن الليل كله وقت للصلاة والتقرب إلى الله، سواء أكان ذلك قبل النوم أو بعده، إلا أن مصطلح “التهجد” التصق عرفاً بالقيام الذي يكون في السحر أو في الثلث الأخير من الليل.
ثانياً: هل ثبتت صفة العودة للتهجد عن النبي ﷺ؟
عند البحث في السيرة النبوية المطهرة، نجد أن النبي ﷺ قد أرسى القواعد العامة لقيام الليل، ورغب فيه ترغيباً عظيماً. أما بخصوص الهيئة المحددة التي نراها اليوم، وهي صلاة التراويح في أول الليل ثم الانصراف ثم العودة في آخره، فلم يرد نص صريح يفيد بأن النبي ﷺ كان يقوم من أول الليل ثم يعود بهذه الصفة المخصوصة.
ولكن، هل يعني عدم ورود هذه الصفة المنع منها؟ الإجابة قطعاً هي: لا. فالنبي ﷺ قد أذن في قيام الليل مطلقاً، ولم يحدد له وقتاً لا يجوز تجاوزه، ولا عدداً من الركعات لا يجوز تعديه. بل إن القرآن الكريم امتدح القائمين بقوله: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17].
وعليه، فإن الأصل في العبادات وإن كان التوقيف، إلا أن قيام الليل من النوافل المطلقة التي وسع الله فيها على عباده. وقد ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: “ليصل أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد”. وهذا الحديث يعد أصلاً في جواز الصلاة ما دام العبد يجد في نفسه نشاطاً وقوة، فإذا صلى جزءاً ثم ارتاح ثم وجد نشاطاً للعودة، فلا حرج عليه بل هو مأجور بإذن الله.
ثالثاً: هدي الصحابة الكرام وعصر الخلفاء الراشدين
لقد كان الصحابة رضي الله عنهم هم الأحرص على تطبيق سنة النبي ﷺ، وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تم تنظيم صلاة القيام خلف إمام واحد. ثبت بسند صحيح في موطأ الإمام مالك عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: “أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميماً الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر”.
هذا الأثر يوضح لنا صورة القيام في الصدر الأول؛ فقد كانوا يحيون الليل كله تقريباً بصلاة واحدة ممتدة. ومع تطاول الأمد وضعف العزائم والقدرات البدنية في العصور المتأخرة، لجأ الناس إلى تقسيم هذا القيام؛ فيصلون جزءاً في أول الليل (التراويح) تيسيراً على العامة، ثم يعود الراغبون في مزيد من الخير في آخر الليل (التهجد) لإدراك وقت النزول الإلهي وساعة الاستجابة.
إن هذا التقسيم ليس إحداثاً في الدين، بل هو تكييف للعبادة بما يتناسب مع طاقة الناس، مع الحفاظ على أصل العبادة وهو إحياء الليل.
رابعاً: صلاة التهجد بعد التراويح.. سنة أم بدعة؟
يتخوف البعض من وصف هذه الصلاة بالبدعة لكونها لم تكن على عهد النبي ﷺ بهذه الهيئة. والحقيقة أن هذا التخوف في غير محله؛ فالخلاصة الفقهية التي قررها المحققون من أهل العلم، ومنهم الأستاذ الدكتور عبدالله بن مبارك آل سيف، أن العودة للتهجد بعد التراويح جائزة ولا حرج فيها، وليست بدعة بحال.
والدليل على ذلك:
1. العموميات الشرعية: الأوامر النبوية جاءت بالحث على قيام الليل مطلقاً دون تقييد بهيئة الفصل أو الوصل.
2. فعل النبي ﷺ في العشر الأواخر: ثبت في الصحيحين أنه ﷺ “كان يحي الليل في العشر الأواخر”، ومعنى إحياء الليل هو استغراقه بالصلاة والذكر، فمن عجز عن الاستغراق المتواصل، جاز له أن يحيي ما قدر عليه في أوله وآخره.
3. إدراك وقت الإجابة: ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل، فالحرص على الصلاة في هذا الوقت هو حرص على فضيلة ثابتة بيقين.
4. القياس الصحيح: لو منعنا العودة للصلاة بعد التراويح، للزم من ذلك منع من صلى مع الإمام ثم خرج لحاجة ثم عاد ليدرك بقية الصلاة، وهذا باطل لا يقول به أحد.
خامساً: الحكمة من مشروعية هذا الفعل في زماننا
إن الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج. وفي زماننا هذا، حيث كثرت الشواغل وضعفت الأبدان، صار من الصعب على جمهور المصلين الوقوف خلف الإمام من بعد العشاء إلى قبيل الفجر كما كان يفعل الصحابة. فكان في فتح باب العودة للتهجد في آخر الليل مصلحة عظيمة تتمثل في:
- إعانة الناس على الطاعة: فمن لا يستطيع البقاء طويلاً، يمكنه الانصراف والراحة ثم العودة بنشاط.
- عمارة بيوت الله في أفضل الأوقات: وهي ساعات السحر التي يغفل فيها الكثيرون.
- الجمع بين فضيلتين: فضيلة صلاة التراويح مع الجماعة في أول الليل، وفضيلة التهجد والخلوة بالله في آخره.
سادساً: توجيهات إيمانية لمن أراد التهجد
يا باغي الخير، إن وقوفك بين يدي الله في جوف الليل هو شرف المؤمن وعزه. وإليك بعض النصائح لتكون صلاتك هذه مقبولة ومؤثرة في قلبك:
1. الإخلاص: اجعل عودتك للمسجد خالصة لوجه الله، بعيدة عن الرياء والمباهاة.
2. السكينة: لا يكن همك عدد الركعات، بل تدبر الآيات واستشعر القرب من رب الأرض والسماوات.
3. الرفق بالنفس: إذا شعرت بتعب شديد يمنعك من الخشوع، فخذ بنصيحة النبي ﷺ وارح جسدك، فالله لا يمل حتى تملوا.
4. الدعاء: اغتنم لحظات السجود في صلاة التهجد، فإنها أوقات تفتح فيها أبواب السماء.
خاتمة: الخلاصة في حكم المسألة
بناءً على ما تقدم من أدلة من الكتاب والسنة وفعل السلف الصالح، نخلص إلى أن صلاة التهجد بعد التراويح هي فعل خير وبر، وهي جائزة شرعاً ولا كراهة فيها. بل إن فاعلها مأجور غير مأزور، لأنها تندرج تحت عموم الحث على قيام الليل وإحيائه، خاصة في العشر الأواخر من رمضان.
إنها ليست بدعة مستحدثة بالمعنى المذموم، بل هي وسيلة شرعية لتحقيق غاية تعبدية، وهي استثمار الوقت المبارك في طاعة الله. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.

اترك تعليقاً