حلاوة الطاعة أم فخ الغرور؟ كيف تحمي عملك الصالح من الإحباط؟

# حلاوة الطاعة أم فخ الغرور؟ تحذير السلف من آفات القلوب

إنَّ من أعظم نِعَم الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين أن شرع لهم سبلاً شتى لطاعته، وفتح لهم أبواباً واسعة للقرب منه؛ لتكون هذه الطاعات أنيساً لهم في وحشة الدنيا، وملاذاً من ضيق العيش وهفوات النفس. إنها المنهج الرباني الذي يبلغ بالعبد مرضاة ربه وجناته، ويثبته في وجه فتن الزمان ونكباته المتلاحقة.

بيد أن الله عز وجل، بفضله وكرمه، لم يجعل أجر الطاعة مؤجلاً للآخرة فحسب، بل ترك لعبده بعد فعلها حلاوةً يجدها في قلبه، ونوراً يستشعره في بصره، وسكينةً تغشى جوارحه، حتى يغدو العبد في حال من الخشوع والإخبات، وتتملكه همة لو أراد بها زحزحة الجبال لفعل، مستمداً قوته من تلك القربات التي ربطت قلبه بخالقه.

لذة العبادة: جنة الدنيا المعجلة

لقد وصف السلف الصالح تلك الحالة الإيمانية بأوصاف تعجز الكلمات عن حصرها؛ فيقول بعض الشيوخ: “لقد كنت في حال أقول فيها: إن كان أهل الجنة في الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب”. ويصف آخر اهتزاز قلبه فرحاً بذكر الله قائلاً: “إنه ليمرُّ على القلب أوقات يرقص منها طرباً”. بل إن أهل الليل، الذين هجروا مضاجعهم لمناجاة ملك الملوك، يجدون من اللذة ما لا يدركه أهل اللهو والشهوات، كما قال أحدهم: “لأهل الليل في ليلهم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم”.

ولكن، هل يمكن لهذه اللذة، التي هي ثمرة القبول وعلامة التوفيق، أن تتحول إلى سمٍّ ناقع؟ وهل يمكن لهذه الحسنة المرضي عنها أن تنقلب إلى عمل مردود يُرمى به في وجه صاحبه كالخرقة البالية؟ نعم، ولهذا أطلق العارفون صيحة التحذير المدوية: “احذروا حلاوة الطاعات!”.

لماذا نحذر من حلاوة الطاعة؟

إن المقصود من العبادة في جوهرها هو الخضوع والخشوع، والانقياد التام لله سبحانه، والافتقار إليه بالذل والانكسار. فإذا خلت الطاعة من هذه المعاني الإيمانية، واتصفت بأضدادها من الكِبْر والتعالي، صارت وبالاً على صاحبها. إن العبد في غمرة طاعته قد يصيبه داء “العُجْب” تارةً، ومرض “الغرور” تارةً أخرى، فينحدر إلى أسفل السافلين في الوقت الذي يظن فيه أنه يرتفع إلى أعلى عليين. ولتوضيح هذا الخطر الداهم، نضرب أمثلة واقعية من حياة الناس:

أولاً: فتنة العابد المستغرق في نوافله

تأمل في حال ذلك المتعبد الذي يواظب على ركعات النوافل في خلوته وجلوته، ويصوم أيام الصيف الحارة وشتاءها البارد، ويداوم على الذكر والمناجاة. هذا العبد قد يفتح الله عليه من حلاوة المناجاة ما يشرح صدره ويقوي قلبه، فيتلذذ بذكر محبوبه سبحانه. ولكن الخطر يكمن حين ينسى هذا العبد ضعفه وتقصيره، ويغفل عن أن التوفيق للطاعة هو محض فضل من الله، فيرى نفسه قد بلغ المنزلة المرموقة وضمن الرضا الإلهي.

هنا يبدأ العجب بالتسلل؛ فيزهو بنفسه، ويحتقر من حوله من إخوانه، وينظر إليهم بازدراء وتنقُّص. يرى نفسه “الصائم القائم المخبت الذاكر”، ويرى غيره “النائمين المتخمين” الذين لا يعرفون لليل قياماً ولا للنهار صياماً. لقد أصيب هذا المتعبد بداء العُجْب الذي صوره ابن المبارك حين سئل عن الكِبْر فقال: “أن تزدري الناس”، وسئل عن العُجْب فقال: “أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العُجْب”.

وقد يصل الأمر بهذا المعجب إلى “التألي على الله”، كما جاء في الحديث الذي رواه جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث: «أنَّ رَجُلاً قَالَ: وَاللهِ؛ لاَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلاَنٍ. وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لاَ أَغْفِرَ لِفُلاَنٍ؟! فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلاَنٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ». فالحذر كل الحذر من رؤية النفس في مقام العبادة.

ثانياً: غرور طالب العلم وآفة القراء

أما النوع الثاني، فهو طالب العلم الذي أنفق ليله ونهاره في مدارسة الوحيين، وجلس بين يدي العلماء، وصار يجد في حل المسائل العويصة لذة تفوق لذة المال والطعام، متمثلاً قول القائل:

*سهري لتنقيح العلوم أَلَذُّ لي .. من وصل غانية وطيب عناقِ*
*وتمايلي طرباً لحل عويصة .. في الدرس أشهى من مدامة ساقي*

هذه الحلاوة قد تنقلب مرارةً إذا أعجب الطالب بذكائه وبروزه بين أقرانه، فيشمخ بأنفه عمن دونه، ويستنكف أن يأخذ العلم عمن هو أقل منه شهرة أو سناً. بل قد يصل به الغرور إلى تجريح العلماء الربانيين، وسلب ألقاب العلم عنهم، والوقوف عند زلاتهم للتحذير منهم، ظناً منه أنه حامي حمى الدين والمنهج الحق.

إنها “آفة القراء” التي حذر منها الفضيل بن عياض، حيث يعشش العجب في قلب الطالب فيرى نفسه معصوماً من الخطأ وغيره غارقاً في البدع والضلال. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه كلمة جامعة: “الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب”. فالقنوط يقطع الرجاء، والعجب يفسد العمل.

إن الله عز وجل يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32]. فالمطلوب هو شكر الله على التوفيق، لا الثناء على النفس بالطهارة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر منه: العُجْب». فالمعجب أعمى عن عيوب نفسه، ومن لم يتفقد عمله بالخوف والوجل، ضاع سعيه وهباءً منثوراً.

ثالثاً: اغترار الجماعات والعمل المؤسسي

لا يتوقف خطر العجب عند الأفراد، بل قد يسري في كيان الجماعات والتنظيمات الإسلامية. فبسبب ما حققته جماعة ما من نتائج طيبة في الدعوة أو السياسة أو العمل الخيري، قد يتسرب إليها شعور بأنها “الأصل” وما سواها “فرع”، وأنها وحدها المؤهلة لقيادة الأمة. هذا الشعور بالاستعلاء التنظيمي يقطع جسور التواصل مع الآخرين، ويمنع التعاون على البر والتقوى.

إن التلذذ بحلاوة الإنجاز الجماعي دون استصحاب التواضع والافتقار لله، يحول العمل من “دعوة إلى الله” إلى “دعوة إلى الذات”. إن مقومات النجاح لأي جماعة تكمن في لين الجانب للمؤمنين، وحسن الظن بهم، وعدم الترفع عليهم، وإدراك أن النصر من عند الله وحده، وليس بكثرة العدد ولا دقة التنظيم.

كيف نعالج داء العجب ونحافظ على حلاوة الطاعة؟

إن الحديث عن التحذير من حلاوة الطاعة ليس تنفيراً منها، بل هو دعوة لتثبيتها وحمايتها من المفسدات. فالمؤمن الذي يوفقه الله للهدى يجب أن يضع في قلبه “حساسية الحذر”، فلا يأمن مكر الله، ولا يأمن تقلب قلبه.

1. الافتقار الدائم: كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يتمثل دائماً بقوله: “ما لي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء”، وكان يقول: “والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعدُ إسلاماً جيداً”. هذا هو حال الكبار؛ كلما ازدادوا علماً وطاعة، ازدادوا ذلاً وانكساراً.
2. تذكر فضل الله: اعلم أنك لولا الله ما اهتديت، ولا تصدقت ولا صليت. فالفضل للموفِّق سبحانه، لا للموفَّق.
3. تفتيش العيوب: اشتغل بعيوب نفسك عن عيوب الآخرين. وكما قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت: متى يكون الرجل مسيئاً؟ قالت: “إذا ظن أنه محسن”.
4. الخوف من حبوط العمل: تذكر قول الإمام الذهبي رحمه الله عن الداء الخفي الذي يسري في نفوس الفقهاء والمجاهدين والمنفقين، وهو حب الرئاسة والظهور والعجب، وكيف أن هذا الداء يمنع النصر ويوجب الخذلان.

خاتمة:
إن العبد الصادق هو من طلب العلم للعمل فكسره العلم وبكى على نفسه، أما من طلبه للمفاخرة والرياء فقد تحامق واختال وأهلكه العجب. فلنحذر من تلك اللحظات التي نشعر فيها بالرضا الكامل عن أنفسنا، ولنجعل شعارنا دائماً: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}. اللهم طهر قلوبنا من العجب، وأعمالنا من الرياء، وارزقنا الإخلاص في القول والعمل.


*المقال مستوحى من طرح الكاتب: طه بن حسين بافضل.*

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *