لم تنتهِ المعركة من أجل حيادية الإنترنت في الولايات المتحدة يوماً بشكل حاسم، فهي تبدو في حالة دائمة من المد والجذب بين الإدارات المتعاقبة والمحاكم. فبعد محاولات لإعادة إرساء هذه القواعد في عام 2024، تلاشت هذه الآمال سريعاً بعد صدور حكم قضائي أوقف تنفيذها، لتشرع لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) في مرحلة جديدة من التفكيك الجذري للقواعد المنظمة للنطاق العريض في أمريكا.
تاريخ متقلب ومبادرة “الحذف” الجريئة
على مدار 15 عاماً، تأرجحت قواعد حيادية الإنترنت -التي تمنع مزودي الخدمة من حظر أو إبطاء حركة المرور القانونية- بين التفعيل والإلغاء. فبعد إقرارها في عهد الرئيس أوباما عام 2010 ثم 2015، ألغتها إدارة ترامب الأولى في 2017. واليوم، وبدلاً من الدفاع عن القواعد التي أُقرت مؤخراً، اختارت لجنة الاتصالات الفيدرالية بقيادة رئيسها برندان كار نهجاً استباقياً يتمثل في مبادرة “الحذف، الحذف، الحذف”، التي تهدف إلى محو ما تصفه الإدارة بـ “اللوائح غير الضرورية” دون إتاحة فرصة للتعليق العام.
تضارب المصالح: أيديولوجيا أم أعباء اقتصادية؟
يصف كبار مزودي خدمة الإنترنت هذه القواعد بأنها أعباء تنظيمية غير ضرورية ومعادية للمستهلك. وفي المقابل، يرى خبراء السياسات في منظمات مثل “Free Press” أن هذه الادعاءات أيديولوجية في جوهرها؛ حيث تؤكد التقارير أن العديد من شركات الاتصالات تلتزم فعلياً بمبادئ حيادية الإنترنت في عملياتها التجارية لإرضاء المستثمرين، لكنها ترفض وجود رقابة رسمية تضمن المساءلة والشفافية وتمنعها من تغيير سياساتها في المستقبل.
الولايات الأمريكية تأخذ زمام المبادرة
مع تآكل التنظيمات الفيدرالية، برزت الولايات كخط دفاع أخير عن حقوق المستهلكين. فقد وضعت ولاية كاليفورنيا في عام 2018 قانوناً يُعد “المعيار الذهبي” لحيادية الإنترنت، شمل حظر ممارسات مثل “التصنيف الصِفري” الذي يستثني تطبيقات معينة من سعة البيانات. واليوم، تشهد ولايات مثل مين وبنسلفانيا ونيويورك تحركات تشريعية مماثلة لسد الفراغ التنظيمي الفيدرالي ومنع ظهور “مسارات سريعة” مدفوعة الثمن قد تؤدي إلى تمييز في جودة الخدمة.
استخدام التمويل كأداة ضغط تنظيمي
انتقل الصراع إلى منعطف جديد، حيث تحاول الإدارة الحالية الضغط على الولايات لإعفاء مزودي الخدمة من قوانين حيادية الإنترنت المحلية مقابل الحصول على تمويل من برنامج “BEAD” المخصص لتوسيع البنية التحتية للنطاق العريض. يصف المسؤولون هذه القوانين المحلية بأنها “تنظيم للأسعار”، بينما يرى المدافعون عن حقوق الرقمية أن هذا الربط بين تمويل البنية التحتية وإلغاء التنظيمات هو محاولة لتسييس ملف حيوي وحرمان المجتمعات المحرومة من خدمات عادلة.
مستقبل الإنترنت المفتوح في خطر
لا تقتصر الأجندة الحالية على حيادية الإنترنت فحسب، بل تمتد لتشمل التراجع عن قواعد الأمن السيبراني وإلغاء متطلبات “ملصقات الشفافية” لأسعار الخدمات. ومع تزايد التحديات المتعلقة بتكلفة الخدمة في المناطق الريفية والجدل حول قوانين التحقق من العمر والخصوصية، يواجه الإنترنت في الولايات المتحدة مستقبلاً غامضاً بحلول عام 2026، حيث تحولت قضية تقنية وخدمية بالأساس إلى جبهة جديدة في الحروب الثقافية والسياسية.
المصدر: The Verge


اترك تعليقاً