الفوضى التنظيمية والصدام بين واشنطن وشركات التقنية
كشف الصدام الأخير بين الإدارة الأمريكية وشركة Anthropic (المنافس الأبرز لشركة OpenAI والمدعومة من جوجل وأمازون) عن غياب تام للقواعد المتسقة التي تحكم قطاع الذكاء الاصطناعي. وفي هذا الفراغ التشريعي، برز تحالف من الحزبين الديمقراطي والجمهوري لتقديم ما عجزت عنه الحكومة حتى الآن: إطار عمل متكامل لما يجب أن يكون عليه التطوير المسؤول للذكاء الاصطناعي.
يأتي هذا التحرك، الذي عُرف باسم «الإعلان المنحاز للبشر» (Pro-Human Declaration)، في توقيت حساس تزامناً مع تصنيف البنتاغون لشركة Anthropic كـ «خطر على سلاسل التوريد» بعد رفضها منح الجيش وصولاً غير مشروط لتقنياتها، بينما سارعت OpenAI لعقد صفقة مع وزارة الدفاع تثير تساؤلات قانونية حول مدى إمكانية إنفاذ معايير السلامة فيها.
«الإعلان المنحاز للبشر»: مفترق طرق تاريخي
يستهل الإعلان، الذي وقّع عليه مئات الخبراء والمسؤولين السابقين، بوصف البشرية بأنها تقف أمام طريقين لا ثالث لهما. المسار الأول يسمى «سباق الإحلال»، حيث يتم استبدال البشر كعاملين وصناع قرار لصالح مؤسسات وآلات غير خاضعة للمساءلة. أما المسار الثاني، فيهدف إلى تطوير ذكاء اصطناعي يعزز الإمكانات البشرية بشكل هائل دون إلغاء دور الإنسان.
ويشير ماكس تيجمارك، عالم الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وأحد منظمي المبادرة، إلى أن استطلاعات الرأي تظهر أن 95% من الأمريكيين يعارضون السباق غير المنظم نحو «الذكاء الاصطناعي الفائق» (Superintelligence).
الركائز الخمس لضمان السيادة البشرية
يعتمد سيناريو النجاح الذي يطرحه الإعلان على خمس ركائز أساسية تضمن عدم خروج التقنية عن السيطرة:
- بقاء الإنسان في مركز القيادة: ضمان أن تكون القرارات المصيرية بيد البشر دائماً.
- تجنب تركيز القوة: منع احتكار القوة التقنية والسياسية في يد حفنة من الشركات أو المؤسسات.
- حماية التجربة الإنسانية: صون التفاعل البشري والقيم الاجتماعية من التآكل الرقمي.
- الحفاظ على الحرية الفردية: منع استخدام الخوارزميات كأدوات للقمع أو المراقبة الشاملة.
- المحاسبة القانونية: إخضاع شركات الذكاء الاصطناعي للمسؤولية القانونية الكاملة عن أضرار أنظمتها.
كما يتضمن الإعلان بنوداً صارمة، منها حظر تطوير الذكاء الاصطناعي الفائق حتى يتم التوصل إلى إجماع علمي وديمقراطي على سلامته، وفرض «مفاتيح إغلاق» إجبارية للأنظمة القوية، ومنع الهندسات البرمجية القادرة على التكاثر الذاتي أو تحسين نفسها ذاتياً دون تدخل بشري.
حماية الأطفال كمدخل للتشريع العام
يرى تيجمارك أن نقطة التحول في التشريع قد تبدأ من حماية الأطفال. يطالب الإعلان بإجراء اختبارات إجبارية قبل إطلاق تطبيقات الدردشة والرفقة الرقمية الموجهة للشباب، للتأكد من عدم تسببها في مخاطر نفسية مثل الميول الانتحارية أو التلاعب العاطفي.
ويضيف تيجمارك بمقارنة بليغة: «لا نقلق أبداً من قيام شركة أدوية بطرح عقار يسبب ضرراً جسيماً قبل التأكد من سلامته، لأن هيئة الغذاء والدواء (FDA) لن تسمح بذلك. فلماذا يختلف الأمر عندما يتعلق بالآلات؟». ويرى أنه بمجرد ترسيخ مبدأ الاختبار المسبق لمنتجات الأطفال، سيتوسع النطاق حتماً ليشمل اختبارات الأمن القومي ومنع المساعدة في الهجمات البيولوجية.
ائتلاف غير متوقع ضد هيمنة الآلة
من المثير للاهتمام أن الإعلان نجح في جمع أطراف سياسية متناقضة تماماً؛ حيث وقع عليه ستيف بانون (مستشار ترامب السابق) وسوزان رايس (مستشارة الأمن القومي في عهد أوباما)، إلى جانب قادة عسكريين ورجال دين. ويختتم تيجمارك قائلاً: «ما يتفقون عليه هو أنهم جميعاً بشر. إذا كان الخيار بين مستقبل للبشر أو مستقبل للآلات، فمن الطبيعي أن يقف الجميع في الجبهة نفسها».
المصدر: TechCrunch


اترك تعليقاً