صراع القوى المنهكة: قراءة في هشاشة الأطراف الفاعلة بالمنطقة
تتصدر المشهد الإقليمي اليوم ثلاثة أطراف رئيسية: الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم استعراض القوة التدميرية الهائلة، إلا أن التدقيق في المشهد يكشف عن تصدعات عميقة تجعل هذه القوى أوهن مما تبدو عليه في الخطابات الرسمية.
التخبط الأمريكي: صراع الأجندات وشعار "إسرائيل أولاً"
تعيش الولايات المتحدة حالة من الانقسام الحاد؛ فبينما تحاول المنصات الإعلامية الكبرى تصوير جبهة موحدة، تشير الوقائع إلى أن تيار "أمريكا أولاً" داخل قاعدة "ماغا" بدأ يتحول تدريجياً إلى "إسرائيل أولاً". هذا التحول أدى إلى:
- تآكل المصداقية: استطلاعات الرأي تؤكد رفض غالبية الأمريكيين للانخراط في حروب نيابة عن مصالح خارجية.
- تفكك القاعدة الشعبية: ظهور أصوات يمينية قوية (مثل تاكر كارلسون) تنتقد تغليب المصالح الإسرائيلية على المصالح الوطنية الأمريكية.
- أثمان انتخابية: من المتوقع أن يدفع الحزب الجمهوري ودونالد ترمب ثمن هذا الانقسام في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
أسطورة المنعة الإسرائيلية: واقع الهجرة والارتهان
خلف ترسانة الأسلحة والآلة الدعائية الضخمة، تواجه إسرائيل أزمات وجودية غير مسبوقة:
- الهجرة العكسية: تزايد أعداد المغادرين للمستعمرة الاستيطانية يعكس فقدان الثقة في المستقبل.
- الاستنزاف العسكري: الحروب المتواصلة في غزة، لبنان، سوريا، واليمن حولت الكيان إلى مجرد "ثكنة عسكرية" مستنزفة.
- فقدان الركائز الدولية: بدأ مشروع الصهيونية يفقد قواعد دعمه التقليدية في أوروبا وأمريكا نتيجة الممارسات الوحشية وحروب الإبادة.
إيران: تحدي الشرعية الداخلية وفقاعة المعارضة الخارجية
لا تبدو إيران بمنأى عن الهشاشة، حيث يواجه النظام الحاكم تحديات داخلية تتعلق بالشرعية واستيعاب المجتمع المدني. ومع ذلك، يبرز تيار "البهلوية" المدعوم صهيونياً كظاهرة صوتية على منصات التواصل، تفتقر لأي قاعدة حقيقية في الداخل الإيراني.
إن المقاومة الإيرانية للضغوط الخارجية كانت لتصبح أكثر صلابة لو استثمر النظام في موارده البشرية ومجتمعه المدني بشكل أعمق، بدلاً من سياسات الإقصاء التي مكنت القوى الخارجية من محاولة اختراق النسيج الاجتماعي.
التحول التاريخي: انتصار "ممداني" وبداية حقبة جديدة
يعد فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك نقطة تحول جوهرية؛ فالفوز في معقل كان يُعتبر تاريخياً خاضعاً للسيطرة الصهيونية، وببرنامج يدعم الحق الفلسطيني صراحة، يثبت أن:
- حقبة الدعم المطلق وغير المشروط لإسرائيل في أمريكا قد بدأت بالزوال.
- هناك مقاومة سياسية وازنة تتشكل في الغرب عابرة للأيديولوجيات (من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين).
الخلاصة: نحو رؤية إقليمية مستقلة
إن المنطقة تمر بلحظة تاريخية فارقة تتطلب لم الشمل العربي والإسلامي. إن تهافت القوى الكبرى وهشاشتها يفرض على شعوب المنطقة اتخاذ موقف مبدئي راسخ للتحرر من أغلال التبعية، وإعادة رسم معالم مستقبل الصراع في الشرق الأوسط بعيداً عن الإملاءات الخارجية وأطماع التوسع الإسرائيلية التي لم تعد تستهدف فلسطين فحسب، بل تمتد لتشمل دولاً إقليمية كبرى مثل تركيا وباكستان.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً