# الثروة الحقيقية وأزمة بناء الإنسان في العصر الحديث
إن المتأمل في أحوال الأمم وتاريخ الحضارات، يدرك يقيناً أن أعظم الكنوز التي يمكن أن تكتنزها دولة ما، ليست في سبائك الذهب ولا في آبار النفط، بل هي في “الإنسان”. إن الثروة البشرية هي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها نهضة المجتمعات، وهي الثروة التي تتضاءل أمامها كل الأموال والمقتنيات. ومن هنا، تبرز قيمة التربية والتعليم كفعلٍ جوهري لا يهدف فقط إلى ملء العقول بالمعلومات، بل إلى صياغة الروح وبناء الشخصية التي تعمر الأرض بمرضاة الله.
إعادة صياغة الأهداف: من التلقين إلى التكوين
إن أولى خطوات الإصلاح التربوي تبدأ من مراجعة صادقة لأهدافنا التعليمية. هل نريد مدرسة تكون مجرد “مخزن” للمعلومات؟ أم نريدها محضناً لبناء الإنسان؟ إن الواقع المرير يشير إلى أن الكثير من مؤسساتنا التعليمية تحولت إلى أماكن للتلقين البارد، حيث يُحشى عقل الطالب بالمعلومات ليفرغها في ورقة الامتحان، ثم يخرج للحياة وقد نسي كل ما تعلمه.
يجب أن تتحول المدرسة إلى مكان للتعليم الحقيقي لا للتلقين، ولصناعة الشخصية الملائمة بدلاً من أن تكون مجرد محطة لتحضير الطلاب للامتحانات، ومنحهم شهادات ورقية تُستخدم كبطاقة مرور اجتماعية فارغة من المحتوى المهاري والقيمي. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل غرفة الصف، على يد المعلم الواعي الذي يدرك احتياجات مجتمعه، ويؤمن بأن التعليم الذي لا يلامس واقع التنمية هو تعليم قاصر، لا يمكن حصره بين أربعة جدران.
مأساة الطيور الخشبية: سقوط التعليم المعاصر
لقد وصف الكاتب شاكر النابلسي في كتابه “الطائر الخشبي” حال خريجي الجامعات اليوم بوصف مؤلم ودقيق؛ فهم كالطيور الخشبية التي تملك هيئة الطير ولكنها لا تقوى على التحليق. إن الطالب الذي يتخرج اليوم وهو مسلوب الإرادة، عاجز عن الإبداع والإنتاج، هو نتاج منظومة تعليمية لم تزوده بالعلم الذي يجعله فاعلاً في مجتمعه.
إن هذا الطائر الخشبي هو إنسان سُلبت روحه الإبداعية، وحُبست تطلعاته في قوالب جامدة. وإذا ما انحصر التعليم في أسوار المدرسة وحدها، فإننا لن نخرج إلا أجيالاً عاجزة عن مواجهة تحديات العصر. وكما قال فيكتور هوغو قديماً: “افتحوا مدرسة تغلقوا سجنًا”، ولكننا اليوم نقف أمام حقيقة صادمة، وهي أن المدرسة نفسها قد تتحول إلى سجن إذا فقد فيها الطالب حماسه واندفاعه للتعلم، وأصبحت مجرد ورطة كبيرة تُفقد النشء لذة المعرفة.
الفجوة بين الشهادة والواقع
في عالمنا العربي، وفي دول العالم الثالث بوجه عام، ما زلنا ننظر إلى الدرجات العلمية كأوسمة اجتماعية للوجاهة، بينما في المجتمعات المتقدمة، لم تعد الشهادة إلا وسيلة لقياس الكفاءة والقدرة على العطاء. لقد بلغ الترف التعليمي لدينا مبلغاً محزناً؛ حيث نجد المهندس والطبيب والباحث عاطلين عن العمل، ليس لنقص في عددهم، بل لغياب المواءمة بين ما تعلموه وبين احتياجات الواقع.
تأملوا في تلك القصة الرمزية لأستاذ جامعي ترك محراب العلم ليعمل مع والده في تركيب “البلاط والقيشاني”، لأن دخلها أوفر والطلب عليها أكثر! إنها إشارة واضحة إلى خلل بنيوي في تقدير قيمة العلم الحقيقي مقابل المهارات اليدوية، وفي عجز المؤسسة الأكاديمية عن توفير العيش الكريم لروادها، مما يدفع العقول المبدعة للهجرة أو الانصراف عن مهنة الرسالة.
الأسس الثلاثة لبناء الإنسان
لقد وضع أفلاطون في جمهوريته رؤية عميقة، حيث رأى أن تكوين الإنسان يتطلب خمسين عاماً من التربية المتواصلة. ومن هذا المنطلق، قامت التربية الحديثة على ثلاثة أسس متكاملة:
1. البيت: وهو المحضن الأول والأساس الذي تُغرس فيه بذور الفضيلة.
2. المدرسة: وهي المؤسسة التي تُعنى بتنمية العقل والمهارات.
3. البيئة الثالثة: وتشمل النادي، والشارع، والحركات الشبابية، والمخيمات الكشفية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بمرارة: هل استطاعت هذه الأركان الثلاثة أن تقوم بواجبها؟ هل البيت اليوم هو ذاك المحضن الذي يربي على الفضيلة؟ وهل المدرسة هي منارة العلم؟ وهل البيئة الثالثة هي حلقة الوصل الآمنة؟
انهيار البيت الكبير وظهور “علب الخرسانة”
كانت الأسرة قديماً تعيش في “البيت الكبير”، حيث الجد والجدة والأب والأم والأبناء يجتمعون على مائدة واحدة، وفي حديث واحد، وربما في طبق واحد. هذا الجو الأسري الحميم كان يسوده الحب والتواصل الإنساني، وهو الأساس المتين لغرس القيم والفضائل.
أما اليوم، فقد اختفى البيت الكبير، وحلت محله “علب الخرسانة المسلحة”. تفرقت الأسرة في بيوت شتى؛ بيت للجد، وبيت للأب، وبيت للأبناء. وبتفرق الأجساد تفرقت القلوب، وضعفت الروابط، وأصبح الضبط الأسري أمراً عسيراً. لقد فقد البيت وظيفته التربوية الأساسية، وتحول إلى مجرد مكان للسكن والاستهلاك الغذائي، وأصبح أفراد الأسرة كأصدقاء التقوا مصادفة، لا يعرف الأب عن تفاصيل حياة أبنائه إلا النزر اليسير.
المدرسة وفشل الاهتمام الأعلى
ما زالت المدرسة، كما يرى بلزاك، تحاول أن تعلم الطالب ما بداخل “اللوزة” دون أن تكسر القشرة لتريه اللب! إنها تغرق في القشور والتفاصيل المملة، وتغيب عن مفهوم “الاهتمام الأعلى”. هذا المفهوم، كما بسطه أوليفيه ربول، يعني أن نجعل الولد يهتم بالحساب أو القواعد بنفس الحماسة التي يوجهها نحو ألعابه وهواياته.
إن المدرسة اليوم مسؤولة بشكل مباشر عن العديد من الأزمات الثقافية، وعلى رأسها أزمة القراءة والمطالعة. فبدلاً من أن تخرج قارئاً نهماً، خرجت طالباً يكره الكتاب، مما أدى إلى تدني نسبة القراء في العالم العربي وزيادة الانكفاء على الشاشات والقنوات الفضائية التي تستهلك العقل ولا تبنيه.
الخاتمة: متى يستعيد الإنسان سيادته؟
إننا أمام سؤال كبير وخطير: متى يصبح الفرد في وطننا العربي سيد تقدمه الثقافي والمعرفي والتقني؟ إن الإجابة تكمن في العودة إلى الجذور، بإحياء دور الأسرة التربوي، وإصلاح المنظومة التعليمية لتكون منبعاً للإبداع لا مقبرة للمواهب. إن بناء الإنسان هو المشروع القومي الأهم، وبدونه سنظل ندور في حلقة مفرغة من التبعية والجمود. فلنبدأ بترميم جدران البيت التربوي قبل أن تنهار السقوف على رؤوس الجميع.

اترك تعليقاً