في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وبسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، اتخذ مجلس الوزراء اللبناني قراراً مفصلياً يمهد لمرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية في البلاد. يأتي هذا التحرك في ظل ظروف إقليمية ومحلية معقدة، تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع التجاذبات السياسية الداخلية.
توسيع نطاق "حصر السلاح": من الجنوب إلى الشمال
خلال اجتماعه الأخير المنعقد يوم الخميس، كلف مجلس الوزراء قيادة الجيش اللبناني بإعداد خطة شاملة تهدف إلى حصر السلاح في المنطقة الواقعة شمال نهر الليطاني. ومن المقرر أن تُعرض هذه الخطة للنقاش والتقييم النهائي خلال شهر فبراير/شباط المقبل.
وعلى الرغم من الأبعاد السيادية للقرار، إلا أنه لم يمر دون معارضة داخلية؛ حيث سجل الوزيران الممثلان لـ "حزب الله" اعتراضهما على هذه الخطوة، مما يعكس عمق الانقسام السياسي حول ملف سلاح المقاومة وتوقيت طرحه.
نجاحات الجيش في "جنوب الليطاني"
يأتي التوجه نحو الشمال بعد إعلان قيادة الجيش عن إتمام المرحلة الأولى من خطتها في منطقة جنوب نهر الليطاني بنجاح. وقد تضمنت هذه المرحلة عدة إنجازات ميدانية أساسية:
- بسط السيطرة: فرض سلطة الجيش على الأراضي التي انسحب منها الاحتلال أو التي تقع ضمن نطاق مسؤوليته.
- تطهير الميدان: معالجة مخلفات الحرب من ذخائر غير منفجرة وتفكيك البنى التحتية العسكرية والأنفاق.
- منع إعادة التسلح: اتخاذ إجراءات صارمة لمنع أي "جماعات مسلحة" من إعادة بناء قدراتها العسكرية في تلك المنطقة.
وقد حظيت هذه الخطوات بإشادة واسعة من قبل أركان الدولة، وعلى رأسهم الرئيس اللبناني ورئيسا الحكومة والبرلمان، الذين اعتبروا أن قوة الجيش هي الضمانة الوحيدة للاستقرار.
التحديات الميدانية: الاحتلال والخروقات المستمرة
أكد بيان الجيش اللبناني أن مسيرة بسط سلطة الدولة تواجه عوائق حقيقية ناتجة عن الممارسات الإسرائيلية، ومن أبرزها:
- استمرار الاحتلال: لا تزال إسرائيل تسيطر على خمس تلال استراتيجية استولت عليها في المواجهات الأخيرة، بالإضافة إلى مناطق حدودية محتلة منذ عقود.
- خروقات وقف إطلاق النار: تنفيذ غارات شبه يومية واعتداءات جوية تقوض اتفاق نوفمبر 2024.
- الاستفزازات الحدودية: التي تعيق حركة الجيش وتؤثر سلباً على وتيرة تنفيذ خطة حصر السلاح.
الموقف الإسرائيلي: تشكيك وتوجس
من جانبها، قابلت إسرائيل تصريحات الجيش اللبناني بنوع من التشكيك. فبينما وصف مكتب بنيامين نتنياهو الخطوات اللبنانية بأنها "بداية مشجعة لكنها غير كافية"، ذهبت تقارير استخباراتية إسرائيلية (نقلتها القناة الـ12) إلى أبعد من ذلك، مدعية أن "حزب الله" لا يزال يحتفظ بوجود عسكري وبنى تحتية جنوب الليطاني، معتبرة أن الواقع الميداني يختلف عما يروجه الجيش اللبناني.
خلفية الصراع: قرار أغسطس والتمسك بالسلاح
تعود جذور هذه الخطة إلى أغسطس/آب الماضي، عندما أقرت الحكومة اللبنانية خطة مبدئية لحصر السلاح بيد الدولة. في المقابل، لا يزال "حزب الله" متمسكاً بموقفه الرافض لنزع السلاح، معتبراً أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستؤدي إلى إضعاف لبنان في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون لانسحاب الاحتلال من كافة الأراضي اللبنانية.
خاتمة:
يبقى السؤال المطروح في الأوساط السياسية اللبنانية: هل سينجح الجيش في تنفيذ مهمته شمال الليطاني في فبراير المقبل؟ أم أن التجاذبات السياسية والخروقات الميدانية ستضع المزيد من العراقيل أمام حلم "الدولة القوية والوحيدة"؟


اترك تعليقاً