في مشهد يعكس حالة من الاستنفار القانوني والسياسي غير المسبوق، احتشد المئات في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون لحضور ندوة جماهيرية ضمت نخبة من المدعين العامين الديمقراطيين. يأتي هذا التحرك في وقت يشعر فيه هؤلاء المسؤولون بأنهم يشكلون “خط الدفاع الأخير” عن الحقوق الدستورية والديمقراطية في مواجهة سياسات الرئيس دونالد ترامب، مؤكدين أنهم لن يتراجعوا عن أداء واجبهم القانوني مهما بلغت الضغوط.
جبهة موحدة لمواجهة التجاوزات الفيدرالية
خلال الندوة، صرح دان رايفيلد، المدعي العام لولاية أوريغون، بلهجة حازمة: “لن نسمح لهذا الرئيس بالاستمرار في تقويض حقوقنا وديمقراطيتنا. سنواصل القتال طوال هذه الولاية الرئاسية”. هذا الموقف لم يكن مجرد شعار سياسي، بل هو انعكاس لاستراتيجية قانونية منسقة بدأت قبل وقت طويل من تولي ترامب مهامه، حيث يعقد 24 مدعيًا عامًا اجتماعات دورية لتنسيق الدعاوى القضائية ضد القرارات التنفيذية التي يرونها مخالفة للدستور.
من جانبه، أشار روب بونتا، المدعي العام لولاية كاليفورنيا، إلى أن الكونغرس الذي يقوده الجمهوريون فشل في ممارسة دوره كرقيب على السلطة التنفيذية. وقال بونتا: “نحن نمثل أداة الضبط والربط عندما تغيب التوازنات الأخرى”، مؤكدًا أن الدستور الأمريكي صُمم خصيصًا لمنع تغول السلطة الفيدرالية على الولايات.
معارك قانونية بمليارات الدولارات
على مدار عام واحد فقط، رفع المدعون العامون الديمقراطيون مجتمعين أكثر من 70 دعوى قضائية ضد إدارة ترامب. شملت هذه القضايا ملفات حساسة مثل محاولات إنهاء حق المواطنة بالولادة، وفرض الرسوم الجمركية، ومحاولات الإدارة حجب التمويل الفيدرالي الذي أقره الكونغرس للولايات. وقد نجحت هذه التحركات القانونية بالفعل في تأمين مليارات الدولارات من التمويلات المخصصة للولايات، مما يثبت فاعلية القضاء في كبح جماح القرارات الرئاسية المثيرة للجدل.
وفي هذا السياق، انتقد آرون فراي، المدعي العام لولاية ماين، نظراءه من المدعين العامين الجمهوريين، مشيرًا إلى أنهم يكتفون بمشاهدة المعارك القانونية من الهامش، بينما يستفيد مواطنو ولاياتهم من الانتصارات القانونية التي يحققها الديمقراطيون في قضايا مثل حماية المساعدات الغذائية واستثمارات الأبحاث.
تصعيد في الميدان: دروس من التاريخ
لم تقتصر المواجهة على قاعات المحاكم، بل امتدت لتشمل أحداثًا ميدانية دامية. ففي ولاية مينيسوتا، أدت عمليات وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) إلى مقتل المواطنة “رينيه جود”، مما فجر أزمة قانونية وسياسية كبرى. ويسعى المدعي العام لولاية مينيسوتا، كيث إليسون، لملاحقة الوكلاء الفيدراليين المتورطين، متحديًا ادعاءات الإدارة الفيدرالية بحصانتهم.
واستشهد إليسون بأحداث تاريخية مثل “مذبحة بوسطن” عام 1770 وواقعة “روبي ريدج”، للتأكيد على أن سلطة الولايات في ملاحقة الجرائم التي تقع على أراضيها تسبق تاريخ تأسيس الولايات المتحدة نفسها. وقال إليسون في تصريح قوي: “صحيح أن السلطات الفيدرالية تمنعنا من الوصول إلى ملفات التحقيق، لكن الصحيح أيضًا أنه لا يوجد قانون تقادم لجرائم القتل”.
تحول “حقوق الولايات” من المحافظة إلى الليبرالية
في مفارقة تاريخية لافتة، أصبح المدعون العامون الديمقراطيون اليوم هم المدافعين الأشرس عن “حقوق الولايات”، وهو المبدأ الذي طالما استخدمه المحافظون تاريخيًا. اليوم، يتم توظيف هذا المبدأ الدستوري لحماية الحقوق المدنية، والتنوع، والعدالة الاجتماعية. ويرى هؤلاء المسؤولون أن حراكهم القانوني يعتمد بشكل أساسي على الدعم الشعبي، داعين المواطنين إلى توثيق أي تجاوزات فيدرالية لاستخدامها كأدلة في المحاكم.
تحديات القضاء والمسار المستقبلي
رغم التفاؤل بالانتصارات القانونية، يبقى التحدي الأكبر متمثلاً في التعيينات القضائية التي أجراها ترامب في المحاكم الفيدرالية والمحكمة العليا، والتي منحت الرئيس حصانة واسعة في أعماله الرسمية. ومع ذلك، يؤكد المدعون العامون أن النظام القضائي الأمريكي، رغم تصدعه، لا يزال حيًا وقادرًا على تحقيق العدالة.
وخلص المشاركون في الندوة إلى أن المعركة لن تُحسم فقط في أروقة المحاكم، بل من خلال وعي الشعب ومشاركته في حماية المسار الديمقراطي، مؤكدين أن الحالة الراهنة بعيدة كل البعد عن “الطبيعية”، وتتطلب استجابة حازمة تليق بحدة اللحظة السياسية الراهنة.
المصدر: The Verge


اترك تعليقاً