# خفايا النفوس ودسائس القلوب: رحلة التنقيب عن الحقيقة قبل فوات الأوان
إنّ من أشدّ المشاهد ترويعاً للقلب، وأعظم الفواجع التي قد تهزّ كيان الإنسان في موقفه بين يدي ربه، هو ذلك الخذلان الذي لا يُشبهه خذلان؛ إنه خذلان النفس لصاحبها يوم القيامة. حين تظن أنك قدمت وبذلت، فإذا بك تجد هباءً منثوراً، ليس لنقص في العمل، بل لعلةٍ غارت في أعماق النفس لم تلتفت إليها في زحام الدنيا.
صدمة الحقيقة: هل كنا نعلم حقاً؟
حين نقف أمام تلك النصوص النبوية التي تُصور لنا مشهداً من مشاهد الحساب، يبرز سؤال مُلحّ يكاد يفتك باللب: هل كان ذلك الرجل الذي عمل لـ “يُقال” يعلم يقيناً في قرارة نفسه أنه يفعل ذلك للمدح والثناء؟ هل تجلت له حقيقة غايته الدنيئة وهو يرتدي مسوح العابدين أو ثياب المجاهدين أو عِمامة العلماء؟ أم أن نفسه العميقة قد أضمرت عنه هذه الحقيقة، وغلفتها بأغلفة من الخداع والمراوغة حتى صدّق هو نفسه أنه مخلص؟
إن النفس البشرية عالمٌ فسيح، غائر الغور، يحمل في أحشائه من الخفايا والدسائس ما قد يذهل صاحبها. إنها طبقات فوق طبقات، قد يظن الإنسان أنه في الطبقة العليا من الإخلاص، بينما تسكن في قاع القاع نيةٌ مدخولة، وشهوةٌ خفية للظهور، ورغبةٌ مستترة في انتزاع إعجاب الخلق.
خطر الدسائس الخفية في الدنيا والآخرة
إن خطر هذه الدسائس لا يظهر جلياً في دار الابتلاء؛ فالناس هنا يحكمون على الظواهر، والنفسُ بارعة في تزيين القبيح وإيجاد المبررات. لكن المصيبة الكبرى، والفجيعة العظمى، تظهر هناك في الآخرة، حين تُكشف الأستار، وتُهتك الحجب، ويتفاجأ المرء بتلك الخبايا التي خفيت عنه طوال سني عمره، منشورةً جليةً أمام عينيه. في تلك اللحظة، يعتريه ذهولٌ لا يوصف، ويفجع من هول صدمة الخذلان؛ إذ يرى نفسه التي ائتمنها، قد خانته في أحرج المواقف.
لقد كان يسير في هذه الحياة بتلك النفس، يسألها في كل محفل: ما نيتك في هذا العمل؟ فترد عليه بكبرياء زائف: “وهل هذا سؤال! امضِ فإنما نريد وجه الله والدار الآخرة!”. فيمضي المسكين واثقاً، من غير أن يتبيّن حقيقة هذه النية، أو يفتّش في مكامن نفسه عن الدافع الأصدق والمنبع الحقيقي الذي يوجّه بوصلته بالفعل. لم يكن يعلم أن النفس قد تمارس “التقية” على صاحبها، فتخفي عنه قبحها لتنال مرادها من حظوظ الدنيا تحت ستار الدين.
يوم تبلى السرائر: كشف المستور
يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: “يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ”. إنه اليوم الذي تخرج فيه المكنونات إلى العلن، وتنكشف فيه الأسرار التي طالما حُرست في صناديق الصدور المغلقة. هناك، يتكشف للإنسان كل ذلك الخداع الذي مارسه على نفسه، فيعلم يقيناً كيف خذلته نفسه بتلك المراوغة طوال تلك الأيام الخالية.
هذا المشهد يفرض علينا وقفة حازمة مع الذات؛ فإذا كانت السرائر ستُبلى، أليس من العقل والحكمة أن نبدأ نحن ببلائها وتمحيصها الآن؟ إن الإنسان لا ينجده من موقف الخذلان ذاك إلا رحمة الله أولاً وآخرًا، ثم صدق اللجوء إليه، وتعهد النفس بدوام المكاشفة والمحاسبة.
منهج التزكية: التخلية والتحلية
إن الطريق للنجاة من خفايا النفس يمر عبر بوابة “التزكية”، وهي عملية ذات شقين:
1. التخلية: وهي إبحارٌ شجاع في أعماق النفس لجلو ما أحاط بها من غبار الخداع، وتطهيرها من أدران الرياء، والكبر، وحب السمعة.
2. التحلية: وهي غرس بذور الإخلاص والصدق والمراقبة، بحيث يصبح الله عز وجل هو المقصود الوحيد في كل حركة وسكون.
هذه العملية ليست نزهةً يسيرة، بل هي جهادٌ مرير يتطلب بصيرةً نافذة وصراخاً مستمراً في وجه النفس الأمارة بالسوء. إنها تتطلب أن يضع الإنسان نفسه دائماً في موضع المتهم، لا موضع المزكي، فمن وثق بنفسه فقد هلك، ومن اتهمها فقد سلك طريق النجاة.
الابتلاء: رحمة في صورة محنة
ومن عظيم رحمة الله عز وجل بعبده المؤمن، وإعانته له على اكتشاف عيوب نفسه، أن يبتليه بأنواع البلاءات. إن الابتلاء ليس مجرد عقوبة أو ضيق، بل هو “تمحيص” إلهي، يخرج الإنسان من دائرة الادعاء إلى دائرة الحقيقة.
في الرخاء، يسهل على الجميع ادعاء الإخلاص والصبر والرضا، ولكن حين تضيق الحلقات، وتشتد الأزمات، تظهر الدسائس الكامنة. فمن الناس من يسخط، ومنهم من يجزع، ومنهم من يتبين له أن تعلقه لم يكن بالله بل بالأسباب.
لكن المشكلة تكمن في الغفلة؛ فإذا غفل الإنسان عن حقيقة كون الابتلاء تمحيصاً يعينه على اكتشاف نفسه ودسائسها، فإنه بطبيعة الحال لن ينتفع بهذه النعمة العظيمة. إنه لا يدرك محل الانتفاع، فينشغل بالشكوى من قدر الله عن تفتيش خبايا قلبه.
إعادة تعريف الابتلاء
لا بد لنا من إعادة تعريف الابتلاء في نفوسنا؛ إنه امتحانٌ للمعدن، تماماً كما يوضع الذهب في النار لتخرج شوائبه ويظهر نقاؤه. الابتلاء هو الذي يميّز بين “دعوى” الإيمان و”حقيقة” الإيمان.
وقد صدق الشاعر التهامي حين صاغ هذه الحقيقة في بيتٍ من نور:
للّه درُّ النائباتِ فإنَّها … صدَأُ اللئامِ وصيقِل الأحرارِ!
إن النائبات والابتلاءات تظهر حقيقة المعدن الإنساني، فتميز المعدن الصدئ الذي تراكمت عليه أوساخ النفاق والرياء، من المعدن النفيس الذي صقله الإخلاص. بل إن هذه الابتلاءات تزيد كل منهما في صفته الغالبة:
- المعدن الصدئ: تزيد الابتلاءات من صدئه لأنه يقابلها بالتسخط والاعتراض.
- المعدن النفيس: تزيده النائبات صقلاً ونفاسةً ووضوحاً، فيصبح أكثر تبياناً وتألقاً، فلا يخفى حاله ولا يلتبس أمره.
الخاتمة: دعوة للمكاشفة
في ختام هذا التأمل، أعيذ نفسي وإياكم أن نقصّر في مكاشفة نفوسنا، أو نتهاون في التنقيب عن حقيقتها تحت ركام العادات والمظاهر. إن الوقوف في موقف الخذلان يوم القيامة هو الموقف الذي لا أشدّ منه ولا أصعب، موقفٌ لا تنتهي حسرته، ولا يوجد سبيلٌ لاستدراكه.
إن الوقت لا يزال متاحاً، والأنفاس لا تزال تتردد، فلنبادر بتفتيش القلوب، ولنجعل من كل بلاء يمر بنا عدسةً مكبرة نرى بها ما خفي من عيوبنا. لنصحح المسار، ولنجدد النية، ولنكن مع الله بالصدق ليكون لنا باللطف.
اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

اترك تعليقاً