مقدمة: آفاق جديدة للكيمياء المستدامة
في ظل السعي العالمي الحثيث لإيجاد حلول مبتكرة لمواجهة أزمة التغير المناخي، يبرز تحويل ثاني أكسيد الكربون من عبء بيئي إلى مورد كيميائي كأحد أهم الأولويات العلمية. وفي دراسة رائدة نشرت في دورية Chem، كشف فريق بحثي من جامعتي يال وميزوري عن تطوير محفز كيميائي جديد يعتمد على معدن المنجنيز، لديه القدرة على تحويل ثاني أكسيد الكربون بكفاءة عالية إلى مادة «الفورمات» (Formate). ويمثل هذا الابتكار خطوة جوهرية نحو استبدال المواد الخام المشتقة من الوقود الأحفوري ببدائل متجددة ونظيفة.
الابتكار العلمي: قوة المنجنيز في مواجهة المعادن الثمينة
لطالما واجه العلماء تحديًا كبيرًا في عمليات تحويل ثاني أكسيد الكربون؛ إذ كانت المحفزات الأكثر فعالية تعتمد على معادن ثمينة ونادرة مثل البلاتين أو الإريديوم، وهي مواد باهظة الثمن وعالية التكلفة، وفي بعض الأحيان سامة. أما المحفزات المعتمدة على معادن وفيرة في القشرة الأرضية، فقد كانت تعاني من مشكلة التفكك السريع، مما يحد من قدرتها على الاستمرار في التفاعلات الكيميائية لفترات طويلة.
قاد البحث كل من «جاستن ويدال»، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة يال، و«كايلر فيرتشو»، مساعد البحث في جامعة ميزوري، تحت إشراف الأستاذين «نيلاي هزاري» من يال و«ويسلي بيرنسكويتر» من ميزوري. وقد نجح الفريق في كسر هذه القاعدة عبر استخدام المنجنيز، وهو معدن متوفر بكثرة ومنخفض التكلفة، مما يجعله بديلًا مثاليًا للمعادن الثمينة في التطبيقات الصناعية واسعة النطاق.
آلية العمل: إعادة تصميم «الليجند» لزيادة الاستقرار
يكمن السر وراء نجاح هذا المحفز في استراتيجية مبتكرة لإعادة تصميم هيكله الجزيئي. قام الباحثون بتعديل ما يعرف بـ «الليجند» (Ligand)، وهي ذرات أو جزيئات ترتبط بالذرة المعدنية المركزية وتتحكم في نشاطها الكيميائي. ومن خلال إضافة ذرة مانحة إضافية إلى تصميم الليجند، تمكن الفريق من تعزيز استقرار المحفز بشكل ملحوظ.
هذا التعديل الهيكلي أدى إلى إطالة عمر المحفز التشغيلي، مما سمح للمنجنيز بالتفوق في الأداء على العديد من البدائل المعتمدة على المعادن الثمينة. وبحسب تصريحات الباحثين، فإن هذا التصميم لم يكتفِ بزيادة الكفاءة فحسب، بل حافظ على فعالية العملية الكيميائية لفترات زمنية أطول بكثير مما كان ممكنًا في السابق.
الأهمية العلمية: الفورمات كحامل مثالي للهيدروجين
تعتبر مادة «الفورمات» (أو حمض الفورميك في صورته البروتونية) مادة كيميائية ذات قيمة عالية؛ فهي تُستخدم حاليًا في صناعات الدباغة، وكمواد حافظة ومضادة للبكتيريا. ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذا الابتكار تكمن في دور الفورمات كـ «حامل للهيدروجين».
تعتمد خلايا وقود الهيدروجين على تحويل الطاقة الكيميائية إلى كهرباء، وهي تقنية واعدة للنقل النظيف. ولكن يظل تخزين الهيدروجين ونقله بشكل آمن وفعال هو التحدي الأكبر. هنا تبرز أهمية الفورمات، حيث يمكن إنتاجها من ثاني أكسيد الكربون الجوي، ثم استخدامها لتخزين الهيدروجين وإطلاقه عند الحاجة لتشغيل خلايا الوقود. هذه الدورة لا تقلل فقط من مستويات غازات الاحتباس الحراري، بل تخلق أيضًا نظامًا مغلقًا ومستدامًا للطاقة.
التطلعات المستقبلية: ما وراء تحويل الكربون
يرى الفريق البحثي أن مبادئ التصميم التي طُبقت في هذا الدراسة يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة في علم التحفيز الكيميائي بشكل عام. إن نجاح فكرة إضافة ذرات مانحة لتعزيز استقرار المحفزات المعدنية الرخيصة قد يُطبق على تفاعلات كيميائية أخرى، مما يوسع من نطاق الكيمياء الخضراء في مختلف الصناعات.
بدعم من مكتب العلوم التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، يستمر الباحثون في تطوير هذه التقنية، مؤكدين أن الطريق نحو مستقبل خالٍ من الكربون يتطلب مثل هذه الحلول التي تدمج بين الوفرة الاقتصادية والكفاءة العلمية العالية.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً