إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين جعلوا القرآن لهم إماماً وقائداً، ففتحوا به القلوب والبلاد، أما بعد:
فإن القرآن الكريم هو حبل الله المتين، ونوره المبين، وصراطه المستقيم، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. لقد نزل هذا الكتاب ليكون منهج حياة، ودستور أمة، ونبراساً يضيء للمؤمنين ظلمات الجهل والتيه. إلا أن المتأمل في أحوال الكثيرين اليوم يلحظ فجوة اتسعت بين المسلم وكتاب ربه، وهي الظاهرة التي اصطلح العلماء على تسميتها بـ “هجر القرآن”. ومن هذا المنطلق، وبناءً على ما قررته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، نفتح هذا الملف لنستعرض أبعاد هذه القضية، ونبين خطر الهجر وأنواعه وجزاء فاعله، استناداً إلى نصوص الوحيين وأقوال أئمة التفسير.
المأمور به شرعاً تجاه الكتاب العزيز
لقد رسم الشارع الحكيم للمسلم طريقاً واضحاً في التعامل مع القرآن الكريم، فالمشروع في حق كل من آمن بالله ورسوله أن يحافظ على تلاوة هذا الكتاب العظيم، وألا يمر عليه يوم دون أن ينهل من معينه. وهذا الأمر ليس مجرد استحباب عابر، بل هو امتثال لأوامر إلهية صريحة تكررت في مواضع شتى من الذكر الحكيم.
لقد خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-، والأمر له هو أمر لأمته بالتبعية، بقوله سبحانه: {(اتل ما أوحي إليك من الكتاب)} [العنكبوت:45]. إن فعل الأمر “اتلُ” هنا يحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد تحريك اللسان بالحروف، فهو دعوة للاستغراق في معانيه والالتزام بمقتضياته. كما تكرر هذا التوجيه الرباني في قوله عز وجل: {(واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك)} [الكهف:27]، ليكون القرآن هو المصدر الأول للتلقي والمنبع الأساسي للهداية.
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مجرد مبلّغ لهذا الأمر، بل كان نموذجاً تطبيقياً له، حيث حكى القرآن على لسانه قوله: {(وأمرت أن أكون من المسلمين* وأن أتلو القرآن)} [النمل:91-92]. فهذه الآيات تؤكد أن تلاوة القرآن ركيزة أساسية في هوية المسلم وعبادته، وهي صلة الوصل الدائمة ببارئه سبحانه وتعالى.
شفاعة القرآن: الأمل في يوم الزحام
إن الحث على ملازمة القرآن الكريم لم يقتصر على الأوامر القرآنية فحسب، بل جاءت السنة النبوية المطهرة لتبين الثمرات العظيمة لهذه الملازمة. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اقرأوا القرآن، فإنه يأتي شفيعاً لأصحابه يوم القيامة”.
تأمل في وصف النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن بأنه “شفيع”، والشفاعة هي التوسط لجلب نفع أو دفع ضر. وفي ذلك اليوم العصيب، حين ينقطع الرجاء إلا من رحمة الله، يبرز القرآن كقوة مساندة لصاحبه الذي كان يداوم على قراءته والعمل به في الدنيا. هذه الشفاعة ليست لكل من مرّ بالقرآن مرور الكرام، بل هي لـ “أصحابه”، والصحبة تقتضي الملازمة، والمعرفة الدقيقة، والوفاء بالحقوق. فمن جعل القرآن صاحبه في الدنيا، كان القرآن له شفيعاً وأنيساً في وحشة القبر وفزع المحشر.
فلسفة الهجر عند الإمام ابن كثير
حين نتحدث عن هجر القرآن، فإننا لا نتحدث عن معنى واحد ضيق، بل هو مصطلح فضفاض يندرج تحته صور شتى من التقصير. وقد أبدع الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره عند الوقوف على قوله تعالى: {(وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً)} [الفرقان:30]. فهذه الآية تمثل شكوى عظيمة من سيد الخلق إلى ربه، وهي شكوى تخلع القلوب الحية.
لقد فصل ابن كثير صور هذا الهجر بناءً على ما كان يفعله المشركون، وما قد يقع فيه المقصرون من المسلمين، ويمكننا تفصيل هذه الصور كالتالي:
1. هجر الاستماع والإصغاء:
بدأ هذا النوع مع مشركي قريش الذين كانوا يتواصون فيما بينهم: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه). فكانوا إذا تليت الآيات، أثاروا اللغط والضجيج حتى لا تصل كلمات الله إلى مسامعهم وقلوبهم. وفي عصرنا الحالي، قد يتخذ هذا الهجر صوراً عصرية، كأن يعرض الإنسان عن سماع القرآن ويفضل عليه ملهيات الحياة، أو أن يُقرأ القرآن وهو لاهٍ عنه لا يلقي له بالاً.
2. هجر الإيمان والتصديق:
وهذا هو أخطر أنواع الهجر، وهو هجر العقيدة والقلب، حيث يرفض المرء الإيمان بأن هذا الكتاب حق من عند الله، أو يشكك في ثبوته وصلاحه لكل زمان ومكان.
3. هجر التدبر والتفهم:
إن القرآن لم ينزل لمجرد التبرك بحروفه، بل لتدبر معانيه. فمن يقرأ القرآن دون أدنى محاولة لفهم مراد الله منه، أو يمر على آيات الوعد والوعيد والقصص والأحكام دون أن يحرك ذلك ساكناً في عقله، فقد وقع في نوع من الهجر. فالتدبر هو الغاية القصوى من الإنزال.
4. هجر العمل والامتثال:
هذا هو الهجر العملي، حيث يقرأ الإنسان القرآن ويحفظ حروفه، ولكنه يضيع حدوده. فيترك العمل بأوامره، ويقع في زواجره، ولا يحل حلاله ولا يحرم حرامه. إن القرآن حجة للمرء أو عليه، وحجيته تكون بمدى تطبيق منهجه في واقع الحياة.
5. هجر العدول إلى غيره:
وهو من الصور المنتشرة التي حذر منها ابن كثير، حيث يستبدل الإنسان بالقرآن غيره من الكلام، سواء كان شعراً، أو غناءً، أو لهواً، أو طرائق ومنهجيات بشرية مأخوذة من غير مشكاة الوحي. إن من يجد راحته في غير كلام الله، ويستقي منهجه في الحياة من فلسفات مادية أو أفكار منحرفة، فقد اتخذ القرآن مهجوراً بالمعنى المعنوي والعملي.
الجزاء والمآل: تفصيل شرعي دقيق
إن السؤال عن جزاء هاجر القرآن يتطلب تفصيلاً شرعياً دقيقاً، لأن الحكم يختلف باختلاف نوع الهجر ودافعه وحال الفاعل. وقد أوضح العلماء، ومنهم ما ورد في فتاوى اللجنة الدائمة، أن هذا الجزاء يتأرجح بين الكفر والفسق والعصيان:
- النوع الأول: الهجر الكفري:
- النوع الثاني: الهجر المعصوي (الفسق والعصيان):
- النوع الثالث: هجر التقصير:
وهو الذي يرتكبه من ترك الإيمان بالقرآن أصلاً، أو كذب بوقوعه، أو استهزأ بآياته، أو ترك التصديق بكونه منزلاً من عند الله. فهذا النوع من الهجر يخرج صاحبه من الملة، لأنه هجر لأصل الدين وجوهر العقيدة. فالمشركون الذين اتخذوا القرآن مهجوراً بترك الإيمان به هم في عداد الكافرين كما نصت الآيات.
وهو حال المسلم الذي يؤمن بأن القرآن حق، ولكنه يقصر في حقوقه. فقد يكون هاجراً عاصياً إذا ترك امتثال الأوامر القطعية (كالصلاة والزكاة والبر) التي نص عليها القرآن، أو وقع في الكبائر والزواجر التي نهى عنها. وفي هذه الحالة، يبقى أصل الإيمان في قلبه، لكنه يكون تحت طائلة الوعيد والذم بسبب تفريطه وعصيانه.
وهو الذي يقع فيه كثير من عامة المسلمين بترك التلاوة لفترات طويلة أو إهمال التدبر. وهذا النوع، وإن لم يصل لمرتبة الكفر أو الفسق المخرج من الملة، إلا أنه حرمان عظيم وخسران مبين، وتفويت لفرص الهداية والسكينة التي لا توجد إلا في كتاب الله.
الخاتمة: العودة إلى المنهج القويم
إن الحديث عن هجر القرآن هو صرخة نذير وتذكير لكل مسلم ومسلمة. فالقرآن ليس كتاباً يوضع على الرفوف للزينة، أو تمسح به الأتربة في المناسبات، بل هو روح الأمة وحياتها. إن الواجب يحتم علينا أن نراجع علاقتنا بهذا الكتاب العظيم؛ تلاوةً، وفهماً، وعملاً، وتطبيقاً.
يجب أن نجعل من تلاوة القرآن ورداً يومياً لا ينقطع، وأن نسعى جاهدين لفهم معانيه من خلال كتب التفسير الموثوقة، وأن نحكم آياته في تصرفاتنا وأخلاقنا ومعاملاتنا. إن الأمة التي تهجر كتاب ربها تضل طريقها، وتفقد هيبتها، وتعيش في ضنك من العيش، كما حذرنا الله سبحانه وتعالى.
ونسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يشرح صدورنا وصدور المسلمين أجمعين لتلاوة كتابه آناء الليل وأطراف النهار، وأن يرزقنا العمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، وأن يجعله لنا في الدنيا إماماً، وفي القبر أنيساً، ويوم القيامة شفيعاً، وعلى الصراط نوراً. اللهم اجعلنا ممن يقيمون حروفه وحدوده، ولا تجعلنا ممن يقيمون حروفه ويضيعون حدوده، إنك سميع مجيب الدعاء.
والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اترك تعليقاً