مقدمة: الصيام رحلة الروح نحو التقوى
الحمد لله الذي جعل الصيام جنة، وسبباً لنيل رفيع الدرجات والمكانة، والصلاة والسلام على من سنَّ لنا من الآداب أكملها، ومن السنن أجملها، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن شهر رمضان ليس مجرد كفٍّ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تهذب النفوس، وتصفي القلوب، وتدفع العبد نحو مراقي العبودية الخالصة لله عز وجل.
إن الصيام الذي أراده الله لنا هو الذي يثمر التقوى، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. ولن يصل العبد إلى كمال هذه التقوى إلا إذا اتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صيامه، وحرص على سنن الصيام وآدابه التي تزيد الأجر وتجبر النقص.
أولاً: بركة السحور وهدي النبي فيه
يعتبر السحور من أهم معالم الصيام في الإسلام، وهو ليس مجرد وجبة غذائية، بل هو عبادة وطاعة. يُسن للصائم أن يتسحر، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأكلة بركة عظيمة، فقال: «تسحَّروا، فإن في السحور بركة» (متفق عليه).
فضل أكلة السحر
إن السحور هو الفارق بين صيام المسلمين وصيام غيرهم، فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، أكلة السحر» (أخرجه مسلم). ومن جمال هذه السنة أن أفضل ما يتسحر به المؤمن هو التمر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «نعم سحور المؤمن التمر» (أخرجه أبو داود).
وقت السحور المستحب
من عظيم هدي النبي صلى الله عليه وسلم تأخير السحور إلى قبيل الفجر، ففي ذلك تقوية للبدن ومسارعة للخير. وقد وصف لنا زيد بن ثابت رضي الله عنه ذلك القرب بقوله: “تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية” (متفق عليه). وهذا التأخير يضمن للصائم الاستيقاظ في وقت السحر، وهو وقت النزول الإلهي، وقت الاستغفار والدعاء.
بركات السحور الحسية والمعنوية
للسحور بركات لا تُحصى، نذكر منها:
1. الامتثال للسنة: وهي أعظم ثمرة، فبها ينال العبد محبة الله.
2. التقوي على العبادة: فالطعام في هذا الوقت يعطي الصائم طاقة تعينه على الصلاة والذكر طوال النهار دون ملل.
3. إدراك وقت السحر: وهو وقت مبارك يستجاب فيه الدعاء ويُغفر فيه للمستغفرين.
4. ضمان صلاة الفجر: من تسحر استيقظ، ومن استيقظ أدرك صلاة الفجر مع الجماعة.
5. مخالفة أهل الكتاب: وهي مقصد شرعي لتمييز هوية المسلم وعبادته.
ثانياً: تعجيل الإفطار وآدابه النبوية
كما شرع الله لنا تأخير السحور، شرع لنا تعجيل الفطر بمجرد تحقق الغروب. إنها رحمة الله بعباده الضعفاء، حيث يُسن للصائم أن يبادر بالإفطار قبل صلاة المغرب.
بماذا يفطر الصائم؟
السنة أن يكون الفطر على رطب، فإن لم يجد فتمر، فإن لم يجد فماء. فإذا لم يجد شيئاً من ذلك، أفطر على ما تيسر من طعام حلال، وإن عدم الطعام تماماً نوى بقلبه الفطر حتى يجد ما يأكله.
الدعاء عند الإفطار
لحظة الإفطار هي لحظة إجابة، فينبغي للصائم أن يلهج بذكر الله وشكره. يُسن له أن يسمي الله في أوله ويحمده في آخره، ومن المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله عند الإفطار: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وَثَبَتَ الأَجْرُ إنْ شَاءَ الله» (أخرجه أبو داود).
ثالثاً: الجود والإنفاق ومدارسة القرآن
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. لذا، فإن من أعظم سنن الصيام الإكثار من الصدقة، وإطعام الطعام، ومواساة الفقراء والمحتاجين. إن رمضان هو شهر المواساة، حيث يشعر الغني بجوع الفقير، فيتحرك قلبه بالرحمة ويده بالعطاء.
كما يُسن للصائم الإكثار من تلاوة القرآن الكريم ومدارسته، فهو شهر القرآن. إن الانشغال بكلام الله يطهر الروح ويصفي الذهن، ويجعل الصائم في معية الله طوال يومه.
رابعاً: قيام الليل وصلاة التراويح
لا يكتمل جمال الصيام إلا بجمال القيام. تُسن صلاة التراويح في ليالي رمضان بعد صلاة العشاء، وهي سنة مؤكدة سنها النبي صلى الله عليه وسلم. والسنة فيها إحدى عشرة ركعة مع الوتر، أو ثلاث عشرة ركعة، ومن زاد على ذلك فلا حرج.
إن من أعظم بشارات هذا الشهر قوله صلى الله عليه وسلم: «من صلى مع الإمام حتى ينصرف، كُتب له قيام ليلة». فيا له من أجر عظيم مقابل جهد يسير! ومن السنة أيضاً الاجتهاد في العشر الأواخر، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يحيي الليل كله، ويوقظ أهله، ويشد مئزره تحرياً لليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
خامساً: آداب التعامل وضبط اللسان
الصيام ليس مجرد امتناع عن المفطرات الحسية، بل هو امتناع عن المفطرات المعنوية كالغيبة والنميمة والرفث. يُسن للصائم إذا سابه أحد أو قاتله أن يترفع عن الرد بالمثل، بل يقول بلسان الحال والمقال: “إني صائم، إني صائم”.
كما يُسن له السواك في كل وقت، تطهيراً للفم ومرضاة للرب، ولا يبالغ فيه بعد العصر عند بعض الفقهاء، لكن الراجح بقاء سنيته طوال النهار لعموم الأدلة.
سادساً: عبادات اجتماعية ومناسبات خاصة
من كرم الله في هذا الشهر أن جعل لنا أبواباً للأجر تتعدى نفعها للآخرين، ومنها:
- تفطير الصائمين: فمن فطر صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء.
- إجابة الدعوة: يُسن لمن دُعي إلى طعام وهو صائم أن يعتذر بأدب قائلاً: “إني صائم”، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ، وَهو صَائِمٌ، فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ» (أخرجه مسلم).
- الدعاء للمضيف: إذا أكل الصائم عند قوم، يُسن له أن يدعو لهم بقوله: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الملائِكَةُ» (أخرجه أبو داود).
- العمرة في رمضان: وهي من أعظم القربات، لقوله صلى الله عليه وسلم: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي» (متفق عليه).
سابعاً: أحكام خاصة بوقت الأذان
من المسائل التي يحتاجها الصائم معرفة حكم من سمع النداء والإناء في يده. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمع أحدكم النداء والإناء على يده، فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه» (أخرجه أبو داود). وهذا محمول على من سمع الأذان وهو لم يتيقن طلوع الفجر، أو كان المؤذن يؤذن قبل الوقت بيسير، أما إذا تيقن الصائم طلوع الفجر الصادق، فالواجب عليه الإمساك فوراً احتياطاً لدينه.
خاتمة: نحو صيام نموذجي
إن الحرص على سنن الصيام هو الدليل العملي على محبة العبد لربه ولنبيه صلى الله عليه وسلم. إن هذه الآداب ليست مجرد كماليات، بل هي سياج يحمي صيامك من النقص، ويزيد في ميزان حسناتك يوم القيامة.
اجعل من رمضانك هذا فرصة للتغيير، ابدأ بسحور مبارك، واختم يومك بدعاء مستجاب، وعمّر ليلك بالقيام، ونهارك بالذكر والصدقة. نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.

اترك تعليقاً