# دليل المسلم لاستقبال رمضان: رحلة القلوب إلى علام الغيوب
يمر الزمان، وتتوالى الأيام، ويبقى شوق المؤمن لرمضان حكاية لا تنتهي، وقصة حب تتجدد مع كل هلال يطل على الدنيا. إن استقبال رمضان ليس مجرد تغيير في مواعيد الطعام والشراب، بل هو ثورة روحية، وانبعاث إيماني، وهجرة من ضيق الدنيا إلى سعة طاعة الله. حين يقترب هذا الشهر الكريم، يقف المسلم على عتبات الرجاء، متطلعاً إلى تلك النفحات القدسية التي تمحو ما سلف من الذنوب، وترفع الدرجات في جنات النعيم.
في هذا المقال، نسطر لك وصايا جامعة، مستلهمة من جوهر الشريعة وروح التزكية، لتكون نبراساً لك في كيفية استقبال رمضان بصورة تجعل منه نقطة تحول حقيقية في حياتك.
أولاً: التوكل على الله والتبرؤ من الحول والقوة
إن أول خطوة في طريق استقبال رمضان هي اليقين التام بأنك لا تملك من أمر نفسك شيئاً إلا ما آتاك الله. إن العبد مهما بلغت قوته وعزيمته، يظل ضعيفاً مفتقراً إلى معونة خالقه. لذا، فإن أعظم ما تبدأ به هو أن تبرأ من حولك وقوتك، وتلتجئ إلى حول الله وقوته.
توكّل على الله حق التوكل، واعلم أنك لن تستطيع صيام يوم واحد، ولا قيام ليلة واحدة، ولا قراءة جزء من القرآن، إلا إذا أعانك الله على ذلك. إن القلوب التي تدخل رمضان وهي معلقة بجهدها الشخصي وخططها الذهنية فقط، غالباً ما تفتر همتها سريعاً. أما تلك القلوب التي تدخل الشهر وهي منكسرة بين يدي الله، تدعوه في كل سجدة: “اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك”، فهي القلوب التي يفتح الله لها أبواب الفتوح. فليكن شعارك في استقبال رمضان: “يا رب، لستُ بقوتي أقبلت، بل برحمتك استجرت، فأعنّي”.
ثانياً: تعظيم قدر الشهر ومعرفة فضائله
من تعظيم شعائر الله تعظيم الأزمان التي شرفها الله. إن استقبال رمضان يبدأ من القلب؛ فالمسلم الذي يدرك قيمة هذا الشهر، ليس كمن يراه مجرد عادة سنوية. إن المحبة تثمر الجد والاجتهاد، وكلما عظم رمضان في قلبك، هانت عليك المشقة في سبيله.
تأمل في فضائل هذا الشهر؛ فهو شهر القرآن، وشهر العتق من النيران، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر. إن استحضار هذه المعاني يجعل الروح تحلق في آفاق الطاعة. عندما تعلم أن لله عتقاء في كل ليلة، ستحرص على أن تكون واحداً منهم. وعندما تدرك أن الصيام جُنة، ستصون صيامك عن اللغو والرفث. إن التعظيم ليس مجرد شعور عابر، بل هو دافع عملي يجعل العبد يسابق الزمن ويستثمر كل دقيقة في ذكر وشكر.
ثالثاً: إصلاح النية وتجريدها لله
في ميزان الآخرة، لا تُقاس الأعمال بحجمها الظاهري، بل بما استقر في القلوب من نية وإخلاص. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». لذا، فإن من أوجب الواجبات عند استقبال رمضان هو الجلوس مع النفس وإصلاح النية.
اسأل نفسك: لماذا أصوم؟ ولماذا أقوم؟ هل هو مجرد مجاراة للمجتمع؟ أم هو طلباً لرضوان الله وخوفاً من عقابه؟ إن النية الصادقة هي التي ترفع العمل البسيط ليصبح جبالاً من الحسنات، والنية الفاسدة أو الغافلة قد تُسقط العمل العظيم. اجعل نيتك في هذا الشهر هي الفوز بالمغفرة، وتحقيق العبودية الحقة، وتجديد العهد مع الله. إن القلوب التي تخلص نيتها، يبارك الله لها في قليل عملها، ويفتح لها من آفاق الخير ما لم تكن تحتسب.
رابعاً: فتح أبواب الحسنات وإغلاق أبواب السيئات
رمضان هو سوق الآخرة، والتجارة فيه مع الله هي التجارة الرابحة. عند استقبال رمضان، ينبغي للمسلم أن يضع خطة لفتح أبواب الحسنات المتنوعة. لا تقتصر على الصلاة والصيام فقط، بل ابحث عن أبواب الخير المنسية: صلة رحم، صدقة خفية، إطعام طعام، جبر خواطر، أو كلمة طيبة.
وفي المقابل، يجب أن يكون هناك قرار حازم بإغلاق أبواب السيئات. إن المعاصي هي الأغلال التي تمنع الروح من الانطلاق. لعل عملاً يسيراً تفعله بإخلاص يكون هو السبب في عتق رقبتك من النار. ولعل ترك معصية واحدة لله في هذا الشهر يكون هو المفتاح لولاية الله ومحبته. تذكر أن الصائم الحقيقي هو من صامت جوارحه عن الآثام قبل أن يصوم بطنه عن الطعام.
خامساً: تحقيق الغاية الكبرى.. التقوى
يقول الله تعالى: {لعلكم تتقون}. هذه هي الغاية القصوى من فريضة الصيام. إن استقبال رمضان يجب أن يكون موجهاً نحو هذا الهدف العظيم. التقوى ليست كلمة تُقال، بل هي وقاية للقلب من سخط الله، وحالة من المراقبة الدائمة للخالق.
اجعل غايتك أن تخرج من رمضان أصلح حالاً، وأزكى قلباً، وأكثر خشية لله. انظر في عيوب نفسك قبل دخول الشهر، واجعل من رمضان مدرسة لتهذيبها. هل تعاني من الغضب؟ هل تعاني من الغيبة؟ هل تعاني من التقصير في الصلاة؟ اجعل هدفك أن تعالج هذه الأدواء لتصل إلى مقام المتقين. إن الربح الحقيقي في رمضان ليس في عدد الختمات فحسب، بل في مدى التغيير الذي طرأ على سلوكك وقلبك بعد ثلاثين يوماً من العبادة.
سادساً: اغتنام خفة الطاعة وترك المعاصي الملازمة
من رحمة الله بنا في رمضان أنه تصفد فيه الشياطين، وتنزل فيه السكينة، فتجد في نفسك خفة للطاعة لم تجدها في غيره. هذا المناخ الإيماني هو فرصة ذهبية لا تتكرر. اغتنم هذه الخفة لتترك معصية لازمتك طويلاً، فإذا لم تتركها في رمضان، فمتى تتركها؟
وفي الوقت ذاته، ألزم نفسك بطاعة كنت قد قصرت فيها. إذا كنت هاجراً للقرآن، فاجعل رمضان بداية عهد جديد معه. وإذا كنت مضيعاً لصلاة الجماعة أو السنن الرواتب، فاجعل رمضان ميدانك للالتزام. إن النفس في رمضان تكون أطوع ما تكون لصاحبها، فاقدها نحو جنات الخلد، وافطمها عن شهواتها الدنيوية التي لا تورث إلا الحسرة.
سابعاً: لزوم الخلوة بالله وإحياء القلب بالسر
في زحمة الحياة وضجيج التواصل الاجتماعي، يفقد الإنسان صلته الحقيقية بنفسه وبخالقه. لذا، فإن من أجمل وصايا استقبال رمضان هي تخصيص وقت للخلوة بالله. إن في السر تنزل الفتوح، وفي مناجاة الأسحار تحيى القلوب.
اجعل لك نصيباً من ليلك تخلو فيه بربك، تبثه شكواك، وتستغفره من ذنبك، وتدعوه بحاجتك. إن عبادة السر هي أبعد ما تكون عن الرياء، وهي أقرب ما تكون للقبول. في تلك اللحظات التي تغيب فيها عن أعين الخلق وتكون تحت عين الخالق، تتدفق المعاني الإيمانية وتغسل أدران القلب. لا تجعل شهرك كله ضجيجاً واجتماعات، بل اقتطع من وقتك ساعات للتدبر والتفكر والذكر الخفي.
ثامناً: التدرج في العبادة وإحسان الخاتمة
من الأخطاء الشائعة عند استقبال رمضان هو الاندفاع الشديد في الأيام الأولى ثم الفتور السريع. إن العبرة في العبادة ببلوغ النهاية لا بسرعة البداية. التدرج سنة ربانية؛ فابدأ رمضان بخطى ثابتة ومنتظمة، وزد في جرعة العبادة شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى الذروة في العشر الأواخر.
أحسن الخاتمة في كل يوم، وفي كل عشرة أيام، وفي الشهر كله. إنما الأعمال بخواتيمها، ومن سار على الدرب وصل. لا تستهلك كل طاقتك في أول ليلة، بل وزع جهدك بذكاء وحكمة، واجعل نصب عينيك دائماً أن اللحظات الأخيرة من رمضان هي الأغلى، ففيها ليلة القدر، وفيها يشتد السباق نحو العتق من النار.
ختاماً: أيام معدودات
ختاماً، تذكر دائماً قول الله تعالى: {أياماً معدودات}. نعم، هي أيام قليلة سرعان ما تنقضي، وتطوى صفحاتها، وترفع أعمالها. السعيد حقاً هو من خرج من هذه الأيام مغفوراً له، مكتوباً في ديوان العتقاء، مقبولاً عند رب الأرض والسماء.
إن استقبال رمضان هو فرصة العمر التي قد لا تتكرر، فكم من قريب وصديق كان معنا في العام الماضي وهو الآن تحت التراب مرتهن بعمله. فاستقبل شهرك بقلب جديد، وعزم أكيد، وصدق مع الله، لعل الله يكتبك فيه من الفائزين. اللهم بلغنا رمضان، وأعنا فيه على الصيام والقيام، واجعلنا فيه من المقبولين.

اترك تعليقاً